لَكِنَّ الْمَثَلَ الْمُطَابِقَ لِفِعْلِ الرَّبِّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ . وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَنْ مِثْلِ ( 1 ) هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَأَنْشَدَ :
وَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الْفِعْلُ عِنْدِي . . . فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا
لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ يُمْكِنُ فِي الْمَخْلُوقِ أَمْرُ الْإِنْسَانِ بِمَا لَا يُرِيدُ أَنْ ( 2 ) يُعِينَ عَلَيْهِ الْمَأْمُورَ ، وَنَهْيُهُ عَمَّا يُرِيدُ النَّاهِي أَنْ يَفْعَلَهُ هُوَ لِمَصْلَحَتِهِ ] ( 3 ) .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقَدَرِيَّ وَأَمْثَالَهُ تَكَلَّمُوا بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ . فَإِذَا قَالُوا : مَنْ أَمَرَ بِمَا لَا يُرِيدُ كَانَ سَفِيهًا ، أَوْهَمُوا النَّاسَ أَنَّهُ أَمَرَ بِمَا لَا يُرِيدُ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يَفْعَلَهُ . وَاللَّهُ لَمْ يَأْمُرِ الْعِبَادَ بِمَا لَمْ يَرْضَ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ ، [ وَلَمْ يُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ ] ( 4 ) ، وَلَمْ يُرِدْ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بَعْضَهُمْ بِمَا لَمْ يُرِدْ هُوَ أَنْ يَخْلُقَهُ لَهُمْ بِمَشِيئَتِهِ وَ [ لَمْ ] يَجْعَلْهُمْ فَاعِلِينَ لَهُ ( 5 ) . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْآمِرَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَأْمُورَ فَاعِلًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ ، بَلْ هَذَا ( 6 ) مُمْتَنِعٌ عِنْدَ الْقَدَرِيَّةِ .
وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، لَكِنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَهُ أَلَّا يَفْعَلَهُ . فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يُثْبِتُ الْمَشِيئَةَ دُونَ الْحِكْمَةِ الْغَائِيَّةِ ، يَقُولُ : هَذَا كَسَائِرِ ( 7 ) الْمُمْكِنَاتِ
هامش
( 1 ) ع : نَحْوِ .
( 2 ) أ ، ب : وَأَنْ ، وَهُوَ خَطَأٌ .
( 3 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( ن ) .
( 4 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي ( ع ) فَقَطْ .
( 5 ) ن ، ع : وَيَجْعَلُهُمْ فَاعِلِينَ لَهُ .
( 6 ) أ ، ب : هُوَ .
( 7 ) ن : فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ كَسَائِرِ .