تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معاني القرآن وإعرابه — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
فالمعنى : ما يكون لنا أن نعود فيها إِلا أن يكون الله عزَّ وجلَّ قد سبق في علمه ومشيئته أنا نعود فيها . وتصديق ذلك قوله : ( وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) . ثم قال ( عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ) . وفي موضع آخر : ( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) . وقال قوم : ( وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ) أي فاللَّه لا يشاءُ الكفر ، قالوا : هذا مثل قولك : لَا أكلِّمك حتى يبيضَّ الفار وَيشيبَ الغُرابُ ، والفارُ لا يبيض ، والغراب لا يشيب . قالوا فكذلك تأويل الآية . قال أبو إسحاق : وهذا خطأ لمخالفته أكثر من ألف موضع في القرآن لا تحتمل تأويلين ، ولا يحدث شيءٌ إِلا بمشيئته وعن علمه . إِما أن يكونَ عَلِمَهُ حادثاً فشاءَه حادثاً ، أو عَلِمَهُ غيرَ حادثٍ فشاءَه غيرَ حادث . ولا يجوز لما مكنَ الخلق من التصرف أن يُحدثَ الممتنعَ موجوداً ، ولا يكون ما علمه أنَّه يُوجَدُ ممتنعاً . وسنةُ الرَسول عليه السلام تشهد بذلك ولكن اللَّه تبارك وتعالى غيب عن الخلق علمه فيهم ، ومشيئته من أعمالهم فأمرهم ونهاهم . لأن الحجة إِنما تثبت من جهة الأمر والنهي ، وكل ذلك جائز على ما سبق في العلم وجرت به المشيئة ، قال الله تعالى : ( وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ) . . الآية . فسقوط الورقة منسوب إِليها وهو خلقه فيها كما خلقها ، وكذلك إِلى آخر الآية .
معاني القرآن وإعرابه — صفحة 356 | ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج ) / عبد الجليل عبده شلبي