تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
المؤلف معنى لم يسبق إليه ، وذلك إنما يكون تحادثاً عن الفكرة الصحيحة ، والطبع السليم ، فإن الذي تخرج فيه صنعتك ، وتقع فيه صياغتك هو المعنى . ولهذا كان جماعة المؤلفين يشتركون في معرفة الجيد من الألفاظ ، وإنما التفاوت يقع بينهم في المعاني . لأن الألفاظ الجيدة يستعملها جميعهم ، ولا يكاد أحدهم يفوت الآخر فيها . وأما المعاني فإنه قد يبتكر المؤلف المعنى من نفسه ، وينتحله من ذاته ؛ وذلك كثير لا يحصى . فصح من هذا الوجه ، أن المعاني أشرف من الألفاظ وأنبل . واعلم أن شرف المعنى وعلوه ، وسقوطه واستفاله ، من نتائج علو الهمة وسقوطها . وقد حكي أن أشرف كلام قالته العرب : ( القتل أنفى للقتل ) . ومن المعلوم أن هذا الكلام ليس فيه من الألفاظ البديعة الرائعة ما يرفعه إلى منزلة يكون بها أشرف كلام قالته العرب ؛ حتى إنهم جعلوه في مقابلة قوله تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ) . لا بل في لفظه من الثقل ، بسبب تكراره مالا خفاء به . ومع هذا فأنا نجد من كلامهم ما ألفاظه تطرب الأسماع ، وتأخذ بمجامع القلوب ، وذلك أكثر من أن يحصى ، وهو لا يكون بمنزلة قولهم : ( القتل أنفى للقتل ) فصح حينئذ أن فخامة هذا الكلام ، وعلو منزلته ، إنما هي لأمر يرجع إلى جلالة المعنى المندرج تحته ، وشرف قدره . وقد رأيت جماعة من متخلفي هذه الصناعة ، يجعلون همهم مقصورة على الألفاظ التي لا حاصل وراءها ، ولا كبير معنى تحتها . وإذا قال أحدهم سجعتين أو ثلاثاً ، يعتقد إنه قد أنى بأمر عظيم ، فإذا أنكرت هذه الحال عليهم ، يقولون : لنا أسوة بالعرب ، الذين هم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة ، فإنهم اعتنوا بالألفاظ ، ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءهم بها . ألا ترى إلى جهل هؤلاء القوم ، فإنهم لم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه من ذلك ، حتى إنهم ادعوا أن العرب مثلهم ، فصارت جهالتهم جهالتين .
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 69 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد