تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
الباب الثاني من الفن الثاني من القطب الأول في الكلام على المعاني اعلم أن المعاني على ضربين : أحدهما يبتدعه صاحب الصناعة ، من غير أن يكون له فيه إمام يقتدى به ، أو رسوم قائمة ، في أمثلة يعمل عليها . وهذا الضرب مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة ، ويتنبه له عند الأمور الظارئة ؛ والآخر ما يحتذيه على مثال تقدم ، ورسم سبق . وينبغي للمؤلف أن يطلب الإصابة في كلا الأمرين ، ويتوخى فيها الصورة المقبولة ، والعبارة المستحسنة . ولا يتكل فيما يبتكره من المعاني على فضيلة السبق ، ولا يغتر بمزية الإبداع ، فيتسامح في تهجين صورته . فإنه إذا فعل ذلك ذهب حسنه ، وانطمس نوره . ويكون فيه إلى الذم أقرب منه إلى الحمد . وينبغي أن يستيقن المؤلف ويتحقق ، أن المعاني أشرف من الألفاظ ؛ والدليل على ذلك ما أذكره : وهو أنا لو خلعنا من هذه الألفاظ دلالتها على المعاني ، لما كان شيء منها أحق بالتقديم من شيء ، بل كانت بمنزلة أصداء الأجسام والأصوات الناشئة عنها ؛ ويزيد ما ذكرناه وضوحاً ، أن هذه الصناعة من النظم والنثر ، التي يتواصفها البلغاء بينهم ، وتتفاضل بها مراتب البلاغة ، إنما هي شيء يستعان عليه بتدقيق الفكرة ، وكثرة الروية والتدبر . ومن المعلوم أن الذي يستخرج بالفكرة ، وينعم فيه النظر ، إنما هو المعنى دون اللفظ ؛ لأن اللفظ يكون معروفاً عند أرباب صناعة التأليف دائراً فيما بينهم ، والمعنى قد يبتدع ؛ فيذكر