تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ولم يقل : ( وقالوا ) كالذي قبله ، للدلالة على صدور الكلام عن إنكار عظيم ، وغضب شديد ، وتعجب من كفرهم بليغ . ولا سيما وقد انضاف إلى ذلك قوله تعالى : ( وقالوا للحق لما جاءهم . . . ) وما فيه من الإشارة إلى القائلين ، والمقول فيهم ، وما في ذلك من المبادهة ؛ كأنه قال تعالى ( وقال أولئك الكفرة ، المتمردون بجرأتهم على الله ، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المنير ، قبل أن يذوقوه : إن هذا إلا سحر مبين ) . وأمثال هذا كثيرة ، فاعرفها . النوع الثالث عشر من الباب الأول من الفن الثاني في التخلص والاقتضاب ولهذا النوع من الكلام ، محل كريم ، وموقع لطيف . فأما التخلص ، فهو أن يأخذ المؤلف في معنى من المعاني ، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر ، وجعل الأول سبياً إليه ، فيكون بعضه آخذاً برقاب بعض ، من غير أن يقطع المؤلف كلامه ، ويستأنف كلاماً آخر ، بل يكون جميع كلامه ، كأنما أفرغ إفراغاً ، وذلك مما يدل على حذق الشاعر ، وقوه تصرفه ، وطول باعه ، واتساع قدرته ، من أجل أن الشاعر يضيق عليه نطاق الكلام ، ويكون متبعاً للوزن والقافية ، فلا توافيه الألفاظ على حسب إرادته ، ولا تتزن له . وأما الناثر فإنه مطلق العنان ، يمضي حيث شاء فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر . وأما الاقتضاب فهو ضد التخلص ، وذلك أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاماً آخر غيره من مدح أو هجاء أو غير ذلك . ولا يكون للثاني علاقة بالأول ، ولا تلفيق بينه وبينه ، وهو مذهب القدماء من صنعة الشعر ، وسيأتي بيانه . وأما المحدثون فإنهم تصرفوا
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 181 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد