تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
إلى القبول لقوله ، وأبعث على الاستماع منه . ولو قال : ( فإنهم عدو لكم ) لم يكن بتلك المثابة ، فتخلص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر الله عز وجل ، وأجرى عليه تلك الصفات العظام من تفخيم شأنه ، وتعديد نعمه ( عليه ) من لدن خلقته وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته ليعلم بذلك أن من هذه صفاته حقيق بالعبادة وواجب على الخلق الخضوع له ، والاستكانة لعظمته ، ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه فدعى بدعوات المخلصين ، وابتهل إليه ابتهال الأوابين ، لأن الطالب ( إلى ) مولاه ، والراغب إليه إذا قدم قبل سؤاله وضراعته الاعتراف بالنعمة والإقرار بالإحسان كان ذلك أسرع للإجابة ، وأنجح لحصول الطلبة ، ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث ، ويوم القيامة ومجازاة الله لمن آمن به واتقاه بالجنة ، ولمن ضل عن عبادته بالنار ، فجمع الترغيب في طاعته والترهيب من معصيته ، ثم سأل المشركين عما كانوا يعبون من الأصنام سؤال مونج لهم ، مستهزئ بهم ، وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمنى العود ليؤمنوا . فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض مع احتوائه على ضروب من المعاني فيتخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة دقيقة حتى كأنه معنى واحد ، فخرج من ذكر الأصنام وتعريقه لأبيه وقومه من عبادتهم إياها مع ما هي عليه من التعري عن صفات الإلهية حيث لا تضر ولا تنفع ، ولا تسمع ، إلى ذكر الله تعالى ، فوصفه بصفات الإلهية ، فعظم شأنه وعدد نعمه ، ليعلم بذلك أن العبادة لا تصح إلا له . ثم خرج من هذا إلى دعائه إياه وخضوعه له ثم خرج منه إلى ذكر يوم القيامة ، وثواب الله وعقابه ، فتدير هذه التخلصات اللطيفة ، هذا إلى غيره من تضمن هذا الكلام لأنواع من صناعة التأليف ، وهي الإيجاز والكناية والتقديم والتأخير وإنابة الفعل الماضي عن الفعل المضارع . فأما الإيجاز فلا خفاء به على العارف بما أشرنا إليه في بابه الذي سبق ذكره إلا أن من جملته قوله تعالى : ( وأزلفت الجنة للمتقين ، وبرزت الجحيم للغاوين ) فإنه جمع الترغيب في طاعته