تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلاكة والمفلوكون — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
العلم بطيء الحصول وليست كل الطباع تقبله ، والجزء الغالب عليه الوهب من الله لا الكسب ، فطائفة من العمر تنقضي في تحصيل متنه وطائفة من العمر ثانية تنقضي في تصوره وأخذه عن الشيوخ وطائفة ثالثة في تحقيقه . ثم بعد ذلك كله فصفة العلم ليست من الصفات المحسوسة الظاهرة كالحسن والقبح ، ولا مما يدخله الكمية والمقدار المحسوس ليعرف التفاضل فيه بالذراع والشبر وقياس أحد المطلوبين على الآخر ، ولا الدال على صفة العلم وهو البيان والنطق ظاهراً مكشوفاً لكل أحد ، كالشجاعة التي يعرف بها القوى من الضعيف بالافتراس والإلقاء على الأرض ، وكالإجادة في المصنوعات المرئية المشاهدة ، بل صفة العلم من الصفات النفسانية والكمالات الحاصلة بقوة النفس الناطقة والقوى الباطنة فهي قابلة للجحد والإنكار والمدافعة والتغطية عليها عند أهلها ، وقابلة أيضاً لأن يدخل فيها غير أهلها بالتلبيس والتصنع والتمويه والجاه . ويعين على خفائها وجهل الناس بمكانها من صاحبها وقبولها للتصنع والتمويه أن للعلم مستدع لفاهمة وحافظة ، وقل أن يجتمعا في شخص ، وذلك لما أن القوة الحافظة من مقدم الدماغ والقوة الفاهمة مما يلي مؤخر الدماغ في وسطه ، ويقدر كمال إحداهما بموادها تنقص الأخرى لتقابل المكانين وان شئت قلت : أن البطن المؤخر من الدماغ محل الاسترجاع والتذكر ، والبطن المقدم محل التخيل ، ويقدر كمال إحداهما بموادها تنقص الأخرى لتقابل المكانين . أو لأن الفهم يستدعي مزيد رطوبة في الدماغ والحفظ يستدعي مزيد يبوسة ، والجمع بينهما محال كما قاله الإمام فخر الدين الرازي في كتابه المصنف في مناقب الشافعي ناقلاً له عن الحكماء . وإن من العلماء من له قلم وكتابة وليس له بيان ولا جدل ، لأن مزاجه يتغير بالمماراة والمدافعة غضباً أو حياءً ويضيق قلبه انفعالا عن ذلك فيحصل الحبسة في لسانه بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه ، أو لعدم دربته ومهارته بالبحث ، أو لعيه وحبسته ، أو لان في العلم والكتابة استعانة على تشييع القوة النفسانية وضبطها عن التشتت ، وهذا مستمد مما ذكره الحكماء في كتبهم من أن