تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلاكة والمفلوكون — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
قرره الأصفهاني أن الله تعالى يوجد القدرة والإرادة في العبد ويجعلهما بحيث لهما مدخل في الفعل لا بأن تكون القدرة والإرادة لذاتهما اقتضت أن لهما مدخلا في الفعل ، بل كونهما بحيث لهما مدخل بخلق الله إياهما على هذا الوجه ثم يقع الفعل بهما ، فإنه جميع المخلوقات يخلق الله بعضها بلا واسطة وبعضها بوساطة أسباب ، لا بأن تكون تلك الوسائط والأسباب لذاتها اقتضت أن يكون لها مدخل في وجود المسببات . بل بأن خلقها الله تعالى بحيث لها مدخل ، فتكون الأفعال الاختيارية المنسوبة إلى العبد مخلوقة لله تعالى ، أو مقدورة للعبد بقدرة خلقها الله تعالى في العبد وجعلها بحيث لها مدخل في الفعل . والغرض من هذا الفصل إقامة الحجة على المفلوكين وقطع معاذيرهم وإلجامهم عن التعلق بالقضاء والقدر ، وإنه متى نعيت إليهم فلاكتهم أو نودي عليهم بها كان ذلك متجهاً مخيلاً ، لأنهم إما فاعلوها استقلالا أو مشاركة وأما بالمحلية والمدخلية على ما سبق تحقيقه . ولو سلم أن ذلك من باب القضاء والقدر الصرف أو فرضت فلاكة سماوية صرفة ، فكلمات العلماء في مجاري أبحاثهم طافحة بأن القضاء والقدر لا يحتج به ، وذلك لما روى مسلم في صحيحه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اجتمع آدم مع موسى فقال له موسى : يا آدم أنت خيبتنا وأخرجتنا من الجنة . فقال آدم : أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة . قال صلى الله عليه وسلم : فحج آدم موسى } . قال النووي في شرحه : فإن قلت : فإن العاصي منا لو قال هذه المعصية قدرها الله علي لم يسقط عنه اللوم والعقوبة بذلك وان كان صادقاً فيما قاله . فالجواب أن هذا العاصي باق في دار التكليف جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم والتوبيخ وغيرها ، وفي لومة وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل ، وهو محتاج إلى الزجر ما لم يمت ، فأما آدم فميت خارج عن دار التكليف وعن الحاجة إلى الزجر ، فلم يكن في القول المذكور له فائدة بل فيه إيذاء وتخجيل - انتهى . فانظر كيف اعترف بحجية السؤال واعتذر في الجواب بأن الحديث ليس منه ، والقضاء والقدر وإن لم يحتج به في الدنيا فجائز أن يحتج به الأنبياء في الآخرة لعلو مقامهم عن الإيذاء والتخجيل ، وإذا ثبت أن القضاء والقدر لا يحتج به في المعاصي فغيرها كذلك ، إذ لا قائل بالفرق أو المقايسة ، لأن العلة التي اقتضت المنع من الإحتجاج بالقدر في المعاصي مطردة في غيرها من أقداره تعالى بالمناسبة والاخالة .