تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلاكة والمفلوكون — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
لما فيه من معنى الاستدارة ، لأن الفلاكة بمعنى عدم الحظ ليست من معنى الاستدارة في شيء ولا على المجاز ، على معنى أن عدم الحظ لما استلزم الحركة والاضطراب والجولان كان إطلاقها وإرادته من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم ، لأن اللزم لعدم الحظ هو مطلق الحركة والاضطراب لا لحركة المقيدة بالاستدارة ، وأما المعنى فإن اشتقاقه من الفلك على معنى أن الفلك يعارضه في مراده ويدافعه عنه غير مستقيم ، لما تقرر في الكتب الكلامية أن الله تعالى هو خالق كل شيء . فالجواب عن الأول أن اشتقاق المفلوك من الفلكغير ممتنع ، فقد قالوا ( رأسته ) بمعنى ضربت رأسه ، و ( رأيته ) بمعنى أصبت رئته ، وأبلغ من ذلك اشتقاقهم من الحروف كما في اشتقاق ( احاشي ) من الحاشا الحرفية الاستثنائية في أحد التخريجين في قول من قال : ( ولا أحاشي من الأقوام من أحد ) وأبلغ من ذلك اشتقاقهم من لفظ الجملة كالحوقلة والبسملة والهيللة وعن الثاني أن ذلك من قبيل المجاز العقلي ، وهو نسبة الشيء إلى زمانه مجازاً تشبيهاً للتلبس الغير الفاعل بالتلبس الفاعلي ، ويشهد لذلك ما قاله العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم ، ( الشؤم في ثلاثة أو أن يكن الشؤم ففي المرأة والدار والفرس ) على اختلاف الروايتين جزما وتعليقا من أن ذلك على المجاز والاتساع ، أي قد يحصل الشؤم مقارناً لها وعندها لا أنها هي في أنفسها مما توجب الشؤم ، فقد تكون الدار قد قضى الله تعالى أن يمت فيها خلقاً من عباده ، كما يقدر ذلك في البلد بالطاعون والوباء ، فيضاف ذلك إلى المكان مجازاً ، والله خلقه عنده وقدره . فقد صح بهذا التقرير جواز أخذ المفلوك من الفلك ، على معنى إنه الذي يعارضه الفلك في مراده على جهة التجوز . ولو سلم أن السعود والنحوس لا تدور مع حركات الأفلاك دائماً لم يكن ذلك قادحاً في صحة التجوز ، لأن إضافة الفعل إلى زمانه مجازاً لا تحتاج إلى كون القضية دائمة ، كما في قولهم ( نهاره صائم وليله قائم ) وأمثاله مما لا يحصى . على أنا نقول : اللغة اصطلاحية على قول ، والألفاظ العلمية التي يدير عليها أهل كل علم - كالرفع والنصب للنحاة مثلا - اصطلاحية إجماعاً ووفاقا . ووجه اختيار لفظ الفلاكة على الفاقة والإملاق والفقر ونحوها أن هذه الألفاظ الثلاثة ونحوها نص صريح في مدلولها ، بخلاف لفظة الفلاكة والمفلوك ، فإنه يتولد منهما بمعونة القرائن معان لائقة بالمقامات على كثرتها وتفاوتها .