تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " من سَأَلَ النَّاس ليثرى مَاله كَانَ خموشا فِي وَجهه أَو رضفا يَأْكُلهُ من جَهَنَّم " أَقُول : السِّرّ فِيهِ أَنه يتَمَثَّل تألمه مِمَّا يَأْخُذ من النَّاس بِصُورَة مَا جرت الْعَادة بِأَن يحصل الْأَلَم بِأَخْذِهِ كالجمر ، أَو بِأَكْلِهِ كالرضف ، وتتمثل ذلته فِي النَّاس وَذَهَاب مَاء وَجهه بِصُورَة هِيَ أقرب شَبيه لَهُ من الخموش . وَجَاء فِي الرجل الَّذِي أَصَابَته جَائِحَة اجتاحت مَاله أَنه حلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يجد قواما من عَيْش . وَجَاء فِي تَقْدِير الغنية الْمَانِعَة من السُّؤَال أَنَّهَا أُوقِيَّة أَو خَمْسُونَ درهما . وَجَاء أَيْضا أَنَّهَا مَا يغديه أَو يعشيه . وَهَذِه الْأَحَادِيث لَيست متخالفة عندنَا ، لِأَن النَّاس على منَازِل شَتَّى ، وَلكُل وَاحِد كسب لَا يُمكن أَن يتَحَوَّل عَنهُ ، أَعنِي الْإِمْكَان الْمَأْخُوذ فِي الْعُلُوم الباحثة عَن سياسة المدن لَا الْمَأْخُوذ فِي علم تَهْذِيب النَّفس ، فَمن كَانَ كاسبا بالحرفة فَهُوَ مَعْذُور حَتَّى يجد آلَات الحرفة ، وَمن كَانَ زارعا حَتَّى يجد آلَات الزَّرْع ، وَمن كَانَ تَاجِرًا حَتَّى يجد البضاعة ، وَمن كَانَ على الْجِهَاد مسترزقا بِمَا يروح وَيَغْدُو من الْغَنَائِم . كَمَا كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فالضابط فِيهِ أُوقِيَّة أَو خَمْسُونَ درهما ، وَمن كَانَ كاسبا يحمل الأثقال فِي الْأَسْوَاق ، أَو احتطاب الْحَطب وَبيعه وأمثال ذَلِك فالضابط فَهِيَ مَا يغديه أَو يعشيه . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تلحفوا فِي الْمَسْأَلَة ، فوَاللَّه لَا يسألني أحد مِنْكُم شيئل فَتخرج لَهُ مَسْأَلته مني شَيْئا ، وَأَنا كَارِه ، فيبارك لَهُ فِيمَا أَعْطيته " . أَقُول : سره أَن النُّفُوس اللاحقة بالملأ الْأَعْلَى تكون الصُّورَة الذهنية فِيهَا من الْكَرَاهِيَة وَالرِّضَا بِمَنْزِلَة الدُّعَاء المستجاب . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِن المَال حضر حُلْو فَمن أَخذه بسخاوة نفس بورك لَهُ فِيهِ ، وَمن أَخذه بإشراف نفس لم يُبَارك لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع " . أَقُول : الْبركَة فِي الشَّيْء على أَنْوَاع . أدناها طمأنينة النَّفس بِهِ وثلج الصَّدْر كرجلين عِنْدهمَا عشرُون درهما أَحدهمَا يخْش الْفقر ، وَالْآخر مَصْرُوف الخاطر عَن الخشية غلب
حجة الله البالغة — صفحة 71 | ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي ) / السيد سابق