تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
تقم اللائمة عَلَيْهِم فِيهِ أفْضى ذَلِك إِلَى ضَرَر عَظِيم عَلَيْهِنَّ ، فَإِنَّهُ سَبَب عضهن إياهن عَمَّن يرغبن فِيهِ لأَنْفُسِهِمْ ، فَإِنَّهُ بيدهم أمرهن ، وإليهم إنكاحهن أَولا يكون لَهُنَّ أَن نكحوهن من يطالبهم عَنْهُن حُقُوق الزَّوْجِيَّة مَعَ شدَّة احتياجهن إِلَى من يُخَاصم عَنْهُن . وَنَظِيره مَا وَقع فِي الْيَتَامَى كَانَ الْأَوْلِيَاء يرغبون فِي مالهن وجمالهن وَلَا يُوفونَ حُقُوق الزَّوْجِيَّة فَنزل : { وَإِن خِفْتُمْ أَلا تقسطوا فِي الْيَتَامَى فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء } . الْآيَة بيّنت ذَلِك عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَهَذَا الارتباط على الْوَجْه الطبيعي وَاقع بَين الرِّجَال ، والأمهات ، وَالْبَنَات ، وَالْأَخَوَات ، والعمات ، والخالات ، وَبَنَات الْأَخ ، وَبَنَات الْأُخْت . وَمِنْهَا الرضَاعَة فَإِن الَّتِي أرضعت تشبه الْأُم من حَيْثُ إِنَّهَا سَبَب اجْتِمَاع أمشاج بنيته وَقيام هيكله ، غير أَن الْأُم جمعت خلقته فِي بَطنهَا ، وَهَذِه درت عَلَيْهِ سد رمقه فِي أول نشأته ، فَهِيَ أم بعد الْأُم وَأَوْلَادهَا أخوة بعد الْأُخوة . وَقد قاست فِي حضانته مَا قاست ، وَقد ثَبت فِي ذمَّته من حُقُوقهَا مَا ثَبت ، وَقد رَأَتْ فِي صغره مَا رَأَتْ ، فَيكون تَملكهَا والوثوب عَلَيْهَا مَا تمجه الْفطْرَة السليمة ، وَكم من بَهِيمَة عجماء لَا تلْتَفت إِلَى أمهَا أَو مرضعتها هَذِه اللفتة فَمَا ظَنك بِالرِّجَالِ ؟ وَأَيْضًا فَإِن الْعَرَب كَانُوا يسترضعون أَوْلَادهم فِي حَيّ من الْأَحْيَاء ، فيشب فيهم الْوَلِيد ، ويخالطهم كمخالطة الْمَحَارِم ، وَيكون عِنْدهم للرضاعة لحْمَة كلحمة النّسَب ، فَوَجَبَ أَن يحمل على النّسَب ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يحرم من الرضَاعَة مَا يحرم من الْولادَة " . وَلما كَانَ الرَّضَاع إِنَّمَا صَار سَببا للتَّحْرِيم لِمَعْنى المشابهة بِالْأُمِّ فِي كَونهَا سَببا لقِيَام بنية الْمَوْلُود وتركيب هيكله وَجب أَن يعْتَبر فِي الأرضاع شيئان : أَحدهمَا الْقدر الَّذِي يتَحَقَّق بِهِ هَذَا الْمَعْنى ، فَكَانَ فِيمَا أنزل من الْقُرْآن عشر رَضعَات مَعْلُومَات ( يحر - من - ، ثمَّ نسخن بِخمْس مَعْلُومَات ، فتوفى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهن مِمَّا يقْرَأ فِي الْقُرْآن . أما التَّقْدِير فَلِأَنَّهُ لما كَانَ الْمَعْنى مَوْجُودا فِي الْكثير دون الْقَلِيل وَجب عِنْد التشريع أَن يضْرب بَينهمَا حد يرجع إِلَيْهِ عِنْد الِاشْتِبَاه ، وَأما التَّقْدِير بِعشر فَلِأَن الْعشْر أول حد مُجَاوزَة الْعدَد من الْآحَاد وتدربه فِي العشرات ، وَأول حد يسْتَعْمل فِيهِ جمع الْكَثْرَة وَلَا يسْتَعْمل فِيهِ جمع الْقلَّة ، فَكَانَ نِصَابا صَالحا لضبط الْكَثْرَة المعتد بهَا المؤثرة فِي بدن