وَاعْلَم أَن ستر الْعَوْرَة أَعنِي الْأَعْضَاء الَّتِي يحصل الْعَار بانكشافها بَين النَّاس فِي الْعَادَات المتوسطة كَالَّتِي كَانَت فِي قُرَيْش مثلا يَوْمئِذٍ - من أصل الارتفاقات الْمسلمَة عِنْد كل من يُسمى بشرا ، وَهُوَ مِمَّا امتاز بِهِ الْإِنْسَان من سَائِر أَنْوَاع الْحَيَوَانَات ، فَلذَلِك أوجبه الشَّرْع ، والسوأتان ، والخصيتان ، والعانة ، وَمَا وَليهَا من أصُول الفخذين من أجلى بديهيات الدّين أَنَّهَا من الْعَوْرَة ، لَا حَاجَة إِلَى الِاسْتِدْلَال فِي ذَلِك ، وَدلّ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" إِذا زوج
أحدكُم عَبده أمته فَلَا ينظر إِلَى ، عورتها " وَفِي رِوَايَة " فَلَا ينظر إِلَى مادون السُّرَّة وَفَوق الرّكْبَة " ، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام : " أما علمت أَن الْفَخْذ عَورَة " على أَن الفخذين عَورَة ، وَقد تَعَارَضَت الْأَحَادِيث فِي الْمَسْأَلَة لَكِن الْأَخْذ بِهَذَا أحوط وَأقرب من قوانين الشَّرْع .
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
" إيَّاكُمْ والتعري فَإِن مَعكُمْ من لَا يفارقكم إِلَّا عِنْد الْغَائِط وَحين يُفْضِي الرجل إِلَى أَهله فاستحيوهم وأكرموهم " وَقَالَ : " فَالله أَحَق أَن تستحيا مِنْهُ " أَقُول : التعري لَا يجوز إِن كَانَ خَالِيا إِلَّا عِنْد ضَرُورَة لَا تَجِد مِنْهَا بدا ؛ فَإِنَّهُ كثيرا مَا يهجم الْإِنْسَان عَلَيْهِ ، والأعمال إِنَّمَا تعْتَبر بالأخلاق الَّتِي تنشأ مِنْهَا ، ومنشأ السّتْر الْحيَاء ، وَأَن يغلب على النَّفس هَيْئَة التحفظ والتقيد ، وَأَن يتْرك الوقاحة ، وَألا يسترسل ، وَإِذا أَمر الشَّارِع أحدا بِشَيْء اقْتضى ذَلِك أَن يُؤمر الآخر أَن يفعل مَعَه حسب ذَلِك ، فَلَمَّا أمرت النِّسَاء بالتستر وَجب أَن يرغب الرِّجَال فِي غض الْبَصَر ، وَأَيْضًا فَإِن فتهذيب نفوس الرِّجَال لَا يتَحَقَّق إِلَّا بغض الْأَبْصَار ومؤاخذة أنفسهم بذلك . . . قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" الأولى لَك وَلَيْسَت لَك الْآخِرَة " .
أَقُول : يُشِير أَن حَالَة الْبَقَاء بِمَنْزِلَة الْإِنْشَاء ، وَحين دخل أعمى ، وَقيل : " أَلَيْسَ هُوَ أعمى لَا يُبصرنَا ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أفعميان أَنْتُمَا ألستما تبصرانه " أَقُول : السِّرّ فِي ذَلِك أَن النِّسَاء يرغبن فِي الرِّجَال كَمَا يرغب الرِّجَال فِيهِنَّ .
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفاطمة رَضِي الله عَنْهَا :
" إِنَّه لَيْسَ عَلَيْك بَأْس إِنَّمَا هُوَ أَبوك وغلامك " أَقُول : إِنَّمَا كَانَ العَبْد بِمَنْزِلَة الْمَحَارِم لِأَنَّهُ لَا رَغْبَة لَهُ فِي سيدته لجلالتها فِي عنيه ، وَلَا لسيدته فِيهِ لحقارته عِنْدهَا ، ويعسر التستر بَينهمَا ، وَهَذِه الصِّفَات كلهَا مُعْتَبرَة فِي الْمَحَارِم فان الْقَرَابَة الْقَرِيبَة الْمُحرمَة مَظَنَّة قلَّة الرَّغْبَة ، واليأس أحد أَسبَاب قطع الطمع ،
حجة الله البالغة — صفحة 195
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٩٥