تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
الْأَمر تعين التَّوَارُث بِمَعْنى الْقيام مقَام الْمَيِّت والنصرة لَهُ ، وَذَلِكَ قوم الْمَيِّت وَأهل نسبه وشرفه الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب . قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر وَلَا الْكَافِر الْمُسلم " . أَقُول : إِنَّمَا شرع ذَلِك ليَكُون طَرِيقا إِلَى قطع الْمُوَاسَاة بَينهمَا ، فان اخْتِلَاط الْمُسلم بالكافر يفْسد عَلَيْهِ دينه ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي حكم النِّكَاح : { أُولَئِكَ يدعونَ إِلَى النَّار } وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْقَاتِل لَا يَرث " أَقُول إِنَّمَا شرع ذَلِك لِأَن من الْحَوَادِث الْكَثِيرَة الْوُقُوع أَن يقتل الْوَارِث مُوَرِثه ، ليحرز مَاله لَا سِيمَا فِي أَبنَاء الْعم وَنَحْوهم ، فَيجب أَن تكون السّنة بَينهم تأييس من فعل ذَلِك عَمَّا أَرَادَهُ ، لتقطع عَنْهُم تِلْكَ الْمفْسدَة ، وَجَرت السّنة أَلا برث العَبْد ، وَلَا يُورث ، وَذَلِكَ لِأَن مَاله لسَيِّده وَالسَّيِّد أَجْنَبِي . وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِن أَعْيَان بني الْأُم يتوارثون دون بني العلات " أَقُول وَذَلِكَ لما ذكرنَا من أَن الْقيام مقَام الْمَيِّت مبناه على الِاخْتِصَاص وحجب الْأَقْرَب والأبعد بالحرمان ، وأجمعت الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فِي زوج وأبوين وَامْرَأَة وأبوين أَن للْأُم ثلث الْبَاقِي ، وَقد بَين ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ ذَلِك . بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ حَدِيث قَالَ : مَا كَانَ الله ليريني أَن أفضل أما على أَب ، وَقضى رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بنت وَابْنَة ابْن وَأُخْت لأَب وَأم للابنة النّصْف ولابنة الابْن السُّدس وَمَا بَقِي فللأخت . أَقُول : وَذَلِكَ لِأَن الْأَبْعَد لَا يزاحم الْأَقْرَب فِيمَا يجوزه ، فَمَا بَقِي فان الْأَبْعَد أَحَق بِهِ حَتَّى يسْتَوْفى مَا جعل الله لذَلِك النّصْف ، فالابنة تَأْخُذ النّصْف كملا وَابْنَة الابْن فِي حكم الْبَنَات ، فَلم تزاحم الْبِنْت الْحَقِيقِيَّة ، واستوفت مَا بَقِي من نصيب الْبَنَات ، ثمَّ كَانَت الْأُخْت عصبَة لِأَن فِيهَا معنى من الْقيام مقَام الْبِنْت وَهِي من أهل شرفه . وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ فِي زوج وَأم ، وأخوة لأَب وَأم ، وأخوة لأم : لم يزدهم الْأَب إِلَّا قربا ، وتابع عَلَيْهِ ابْن مَسْعُود ، وَزيد ، وَشُرَيْح ، رَضِي الله عَنْهُم ، وخلائق ، وَهَذَا القَوْل أوفق الْأَقْوَال بقوانين الشَّرْع ، وَقضى للجدة بالسدس إِقَامَة لَهَا مقَام الْأُم عِنْد عدمهَا . وَكَانَ أَبُو بكر ، وَعُثْمَان ، وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم يجْعَلُونَ الْجد ابا ، وَهُوَ أولى الْأَقْوَال عِنْدِي . وَأما الْوَلَاء فالسر فِيهِ النُّصْرَة وحماية الْبَيْضَة ، فالأحق بهَا مولى النِّعْمَة ، ثمَّ بعده الذُّكُور من قومه الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ، وَالله أعلم .