وَلَا يُمكن إِقَامَة ذَلِك إِلَّا بجبلة تؤكدها أَسبَاب طارئة ، ويسجل عَلَيْهَا سنة متوارثه بَينهم فالجبلة هِيَ مَا بَين الْوَالِد ، وَالْولد ، والأخوة ، وَغير ذَلِك من المرادة .
والأسباب الطارئة هِيَ التألف ، والزيارة ، والمهاداة ، والمواساة فَإِن كل ذَلِك يحبب الْوَاحِد إِلَى الآخر ، ويشجع على النَّصْر والمعاونة فِي الكريهات .
وَأما السّنة فَهِيَ مَا نطقت بِهِ الشَّرَائِع من وجوب صلَة الْأَرْحَام وَإِقَامَة اللأئمة على إهمالها ، ثمَّ لما كَانَ من النَّاس من يتبع فكرا فَاسِدا ، وَلَا يُقيم صلَة الرَّحِم كَمَا يَنْبَغِي ، ويعد مَا دون الْوَاجِب كثيرا مست الْحَاجة إِلَى إِيجَاب بعض ذَلِك عَلَيْهِم ، أشاءوا ، أم أَبَوا مثل عِيَادَة الْمَرِيض ، وَفك العاني ، وَالْعقل ، وإعتاق مَا ملكه من ذِي حم وَغير ذَلِك ، وأحق هَذَا الصِّنْف مَا اسْتغنى عَنهُ بالإشراف على الْمَوْت ، فَإِنَّهُ يجب فِي مثل ذَلِك أَن يصرف مَاله على عينه فِيمَا هُوَ نَافِع فِي المعاونات المنزلية ، أَو يصرف مَاله من بعده فِي أَقَاربه .
وَاعْلَم أَن الأَصْل فِي الْفَرَائِض أَن النَّاس جَمِيعهم عربهم وعجمهم اتَّفقُوا على أَن أَحَق النَّاس بِمَال الْمَيِّت أَقَاربه وأرحامه ، ثمَّ كَانَ لَهُم بعد ذَلِك اخْتِلَاف شَدِيد ، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يورثون الرِّجَال دون النِّسَاء يرَوْنَ أَن الرِّجَال هم القائمون بالبيضة ، وهم الذابون عَن الذمار ، فهم أَحَق بِمَا يكون شبه
المجان ، وَكَانَ أول مَا نزل على النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوب الْوَصِيَّة للاقربين من غير تعْيين وَلَا تَوْقِيت ؛ لِأَن النَّاس أَحْوَالهم مُخْتَلفَة : فَمنهمْ من ينصره أحد أَخَوَيْهِ دون الآخر ، وَمِنْهُم من ينصره وَالِده ، وعَلى هَذَا الْقيَاس فَكَانَت الْمصلحَة أَن يُفَوض الْأَمر إِلَيْهِم ، ليحكم كل وَاحِد مَا يرى من مصلحَة ، ثمَّ إِذا ظهر من موص جنف أَو إِثْم كَانَ للقضاة أَن يصلحوا وَصيته ، ويغيروا ، فَكَانَ الحكم على ذَلِك مُدَّة ، ثمَّ أَنه لما ظَهرت أَحْكَام الْخلَافَة الْكُبْرَى ، وزوى للنَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا ؛ وتشعشعت أنوار الْبعْثَة الْعَامَّة أوجبت الْمصلحَة أَلا يَجْعَل أَمرهم إِلَيْهِم وَلَا إِلَى الْقُضَاة من بعدهمْ ، بل يَجْعَل على المظان الغالبية فِي علم الله من عادات الْعَرَب والعجم وَغَيرهم مِمَّا يكون كالأمر الطبيعي ، وَيكون مُخَالفَة كالشاذ النَّادِر وكالبهيمية المخدجة الَّتِي تولد جَدْعَاء أَو عرجاء خرقا للْعَادَة المستمرة ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى :
{ لَا تَدْرُونَ أَيهمْ أقرب لكم نفعا }
ومسائل الْمَوَارِيث تبتنى على أصُول : مِنْهَا أَن الْمُعْتَبر فِي هَذَا الْبَاب هُوَ المصاحبة الطبيعية ؛ والمناصرة ؛ والموادة الَّتِي هِيَ
حجة الله البالغة — صفحة 182
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٨٢