تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . " مَا حق امْرِئ مُسلم لَهُ شَيْء يُوصي فِيهِ يبيت لَيْلًا إِلَّا ووصيته مَكْتُوبَة عِنْده " . أَقُول : اسْتحبَّ تَعْجِيل الْوَصِيَّة احْتِرَازًا من أَن يهجمه الْمَوْت ، أَو يحدث حَادث بَغْتَة ، فتفوته الْمصلحَة الَّتِي يجب إِقَامَتهَا عِنْده ، فيتحسر ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيّمَا رجل أعمر عمري " الحَدِيث . أَقُول : كَانَ فِي زمَان النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مناقشات لَا تكَاد تَنْقَطِع ، فَكَانَ قطعهَا إِحْدَى الْمصَالح الَّتِي بعث النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا كالربا والثارات وَغَيرهَا ، وَكَانَ قوم أعمروا لقوم ، ثمَّ انقرض هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء ، فجَاء الْقرن الآخر ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِم الْحَال ، فتخاصموا ، فَبين النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه إِن كَانَ نَص الْوَاجِب هِيَ لَك ولعقبك فَهِيَ هبة ؛ لِأَنَّهُ بَين الْأَمر بِمَا يكون من خَواص الْهِبَة الْخَالِصَة ، وَإِن قَالَ : هِيَ لَك مَا عِشْت فَهِيَ إِعَارَة إِلَى مُدَّة لمُدَّة حَيَاته ؛ لِأَنَّهُ قَيده بِقَيْد يُنَافِي الْهِبَة . وَمن التَّبَرُّعَات الْوَقْف وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يعرفونه ، فاستنبطه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمصَالح لَا تُوجد فِي سَائِر الصَّدقَات ، فَإِن الْإِنْسَان رُبمَا يصرف فِي سَبِيل الله مَالا كثيرا ، ثمَّ يفنى ، فَيحْتَاج أُولَئِكَ الْفُقَرَاء تَارَة أُخْرَى ، وَيَجِيء أَقوام آخَرُونَ من الْفُقَرَاء ، فيبقون محرومين ، فَلَا أحسن وَلَا أَنْفَع للعامة من أَن يكون شَيْء حبسا للْفُقَرَاء وَأَبْنَاء السَّبِيل تصرف عَلَيْهِم منافعة ، وَيبقى أَصله على ملك الْوَاقِف ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر رَضِي الله عَنهُ : " إِن شِئْت حبست أَصْلهَا ؛ وتصدقت بهَا " فَتصدق بهَا عمر أَنه لَا يُبَاع أَصْلهَا ، وَلَا يُوهب ، وَلَا يُورث ، وَتصدق بهَا فِي الْفُقَرَاء وَفِي الْقُرْبَى ، وَفِي الرّقاب ، وَفِي سَبِيل الله ، وَابْن السَّبِيل ، والضعيف ، لَا جنَاح على من وَليهَا أَن يَأْكُل مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ ، وَيطْعم غير مُتَمَوّل . أما المعاونة فَهِيَ أَنْوَاع أَيْضا : مِنْهَا الْمُضَاربَة ، وَهِي أَن يكون المَال لإِنْسَان ، وَالْعَمَل فِي التِّجَارَة من الآخر ليَكُون الرِّبْح بَينهَا على مَا يبينانه . والمفاوضة أَن يعْقد رجلَانِ مَا لَهما سَوَاء الشّركَة فِي جَمِيع مَا يشتريانه ويبيعانه ، وَالرِّبْح بَينهمَا ، وكل وَاحِد كَفِيل الآخر ووكيله . والعنان أَن يعقدا الشّركَة فِي مَال معِين كَذَلِك ، وَيكون كل وَاحِد وَكيلا للْآخر فِيهِ وَلَا يكون كَفِيلا يُطَالب بِمَا على الآخر . وَشركَة الصَّنَائِع كخياطين أَو صباغين اشْتَركَا على أَن يتَقَبَّل كل وَاحِد ، وَيكون الْكسْب بَينهمَا .