أَقُول : إِنَّمَا كره تَفْضِيل بعض الْأَوْلَاد على بعض فِي الْعَطِيَّة لِأَنَّهُ يُورث الحقد فِيمَا بَينهم والضغينة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَالِد ، فَأَشَارَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَن تَفْضِيل بَعضهم إِلَى بعض سَبَب أَن يضمر المنقوص لَهُ على ضغينة ، ويطوي على غل ، فيقصر فِي الْبر ، وَفِي ذَلِك فَسَاد الْمنزل .
وَوَصِيَّة إِن كَانَ موقنا بِالْمَوْتِ ، وَإِنَّمَا جرت بهَا السّنة لِأَن الْملك فِي بني آدم عَارض لِمَعْنى المشاحة ، فَإِذا قَارب أَن يَسْتَغْنِي عَنهُ بِالْمَوْتِ اسْتحبَّ أَن يتدارك مَا قصر فِيهِ ، ويواسي من وَجب حَقه عَلَيْهِ فِي مثل هَذِه السَّاعَة .
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" أوص بِالثُّلثِ وَالثلث كثير " . وَاعْلَم أَن مَال الْمَيِّت ينْتَقل إِلَى ورثته عِنْد طوائف الْعَرَب والعجم ، وَهُوَ كالجبلة عِنْدهم وَالْأَمر اللَّازِم فِيمَا بَينهم لمصَالح لَا تحصى ، فَلَمَّا مرض ، وأشرف على الْمَوْت توجه طَرِيق لحُصُول ملكهم ، فَيكون تأييسهم عَمَّا يتوقعون غمطا لحقهم وتفريطا فِي جنبهم ، وَأَيْضًا فالحكمة أَن يَأْخُذ مَاله من بعده أقرب النَّاس مِنْهُ ، وَأَوْلَادهمْ ، بِهِ وأنصرهم لَهُ ، وَأَكْثَرهم مواساة ، وَلَيْسَ أحد فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة الْوَالِد وَالْولد ، وَغَيرهمَا من الْأَرْحَام . وَهُوَ وَقَوله تَعَالَى :
{ وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله }
وَمَعَ ذَلِك فكثيراً مَا تقع أُمُور توجب مواساة غَيرهم ، وَكَثِيرًا مَا يُوجب خُصُوص الْحَال أَن يخْتَار غَيرهم ، فَلَا بُد من ضرب حد لَا يتجاوزه النَّاس وَهُوَ الثُّلُث لِأَنَّهُ لَا بُد من تَرْجِيح الْوَرَثَة ، وَذَلِكَ بِأَن يكون لَهُم أَكثر من النّصْف ، فَضرب لَهُم الثُّلثَيْنِ ، ولغيرهم الثُّلُث .
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" إِن الله أعْطى لكل ذِي حق حَقه ، فَلَا وَصِيَّة لوَارث . أَقُول : لما كَانَ النَّاس فِي الْجَاهِلِيَّة يضارون فِي الْوَصِيَّة ، وَلَا يتبعُون فِي ذَلِك الْحِكْمَة الْوَاجِبَة ، فَمنهمْ من ترك الْحق والأوجب سواساته ، وَاخْتَارَ الْأَبْعَد بِرَأْيهِ الأبتر . وَجب أَن يسد هَذَا الْبَاب ، وَوَجَب عِنْد ذَلِك أَن يعْتَبر المظان الْكُلية بِحَسب الْقرَابَات دون الخصوصيات الطارئة بِحَسب الْأَشْخَاص ، فَلَمَّا تقرر أَمر الْمَوَارِيث قطعا لمنازعتهم وسدا لضغائنهم كَانَ من حكمه أَلا يسوغ الْوَصِيَّة لوَارث ؛ إِذْ فِي ذَلِك مناقضة للحد الْمَضْرُوب .
حجة الله البالغة — صفحة 179
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١٧٩