تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
كَمَا يرى ، أَو الْمَاضِيَة على مَا هِيَ عَلَيْهِ ، أَو رُؤْيَة مَا ينبهه على تَقْصِيره بِأَن يرى غَضَبه فِي صُورَة كلب يعضه ، أَو رُؤْيَة الْأَنْوَار والطيبات من الرزق كشرب اللَّبن وَالْعَسَل وَالسمن ، أَو رُؤْيَة الْمَلَائِكَة ، وَالله أعلم . وَمِنْهَا وجدان حلاوة الْمُنَاجَاة وَانْقِطَاع حَدِيث النَّفس ، قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من صلى رَكْعَتَيْنِ لَا يحدث فيهمَا نَفسه غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه " . وَمِنْهَا المحاسبة وَهِي تتولد من بَين الْعقل المتنور بِنور الْإِيمَان وَالْجمع الَّذِي هُوَ أول مقامات الْقلب ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْكيس من دَان نَفسه ، وَعمل لما بعد الْمَوْت " وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ فِي خطبَته : حاسبوا أَنفسكُم قبل أَن تحاسبوا ، وزنوها قبل أَن توزنوا وتتزينوا للعرض الْأَكْبَر على الله تَعَالَى ، يَوْمئِذٍ تعرضون لَا تخفى مِنْكُم خافية . وَمِنْهَا الْحيَاء وَهُوَ غير الْحيَاء الَّذِي هُوَ من مقامات النَّفس ، ويتولد من رُؤْيَة عزة الله تَعَالَى وجلاله ، وَمَعَ مُلَاحظَة عَجزه عَن الْقيام بِحقِّهِ وتلبسه بالأدناس البشرية ، قَالَ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ : إِنِّي لاغتسل فِي الْبَيْت المظلم ، فأنطوي حَيَاء من الله تَعَالَى . وَأما المقامات الْمُتَعَلّقَة فِي الْقلب فأولها الْجمع ، وَهُوَ أَن يكون أَمر الْآخِرَة هُوَ الْمَقْصُود الَّذِي يهتم بِهِ ، وَيكون أَمر الدُّنْيَا هينا عِنْده لَا يَقْصِدهُ ، وَلَا لتفت إِلَيْهِ إِلَّا بِالْعرضِ من جِهَة أَن يكون بلغَة لَهُ إِلَى مَا هُوَ سَبيله ، وَالْجمع هُوَ الَّذِي يُسَمِّيه الصُّوفِيَّة فِي بالإرادة . قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من جعل همه هما وَاحِدًا هم الْآخِرَة كَفاهُ الله همه ، وَمن تشعبت بِهِ الهموم لم يبال الله فِي أَي أَوديَة هلك " . أَقُول : همة الْإِنْسَان لَهَا خاصية مثل خاصية الدُّعَاء فِي قرع بَاب الْجُود ، بل هِيَ مخ الدُّعَاء وخلاصته ، فَإِذا تجردت همته لمرضيات الْحق كَفاهُ الله تَعَالَى ، فَإِذا حصل جمع الهمة ، وواظب على الْعُبُودِيَّة ظَاهرا وَبَاطنا أنتج ذَلِك فِي قلبه محبَّة الله ومحبة رَسُوله ، وَلَا يزِيد بالمحبة الْإِيمَان بِأَن الله تَعَالَى مَالك الْملك ، وَأَن الرَّسُول صَادِق مَبْعُوث من قبله إِلَى الْخلق فَقَط ، بل هِيَ حَاله شَبيهَة بِحَالَة الظمآن بِالنِّسْبَةِ إِلَى المَاء والجائع بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّعَام ، وتنشأ الْمحبَّة من امتلاء الْعقل بِذكر الله والتفكر فِي جَلَاله وترشح نور الْإِيمَان من الْعقل إِلَى الْقلب وتلقي الْقلب ذَلِك النُّور بِقُوَّة مجبولة فِيهِ . قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان ، من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مَا سواهُمَا " الحَدِيث ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ : " اللَّهُمَّ اجْعَل حبك أحب إِلَيّ من نَفسِي
حجة الله البالغة — صفحة 148 | ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي ) / السيد سابق