تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
أظْهركُم نورا تهتدون بِهِ ، هدى الله مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِن أَبَا بكر صَاحب رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَانِي اثْنَيْنِ وَأَنه أولى النَّاس بأموركم ، فَقومُوا ، فَبَايعُوهُ . ثمَّ الْمُحدث بعد ذَلِك أولى النَّاس بالخلافة ، وَذَلِكَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر ، وَعمر " ، وَقَوله تَعَالَى : { وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون } . وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لقد كَانَ فِيمَن قبلكُمْ محدثون فَإِن يكن فِي أمتِي أحد فعمر " . وَمن الْأَحْوَال الْمُتَعَلّقَة بِالْعقلِ التجلي قَالَ سهل : التجلي على ثَلَاثَة أَحْوَال : تجلي ذَات وَهِي المكاشفة ، وتجلي صِفَات الذَّات ، وَهِي مَوَاضِع النُّور ، وتجلي حكم الذَّات وَهِي الْآخِرَة وَمَا فِيهَا . فَمَعْنَى المكاشفة غَلَبَة الْيَقِين حَتَّى يصير كَأَنَّهُ يرَاهُ ، ويبصره ، وَيبقى ذاهلا عَمَّا عداهُ كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ " أما مُشَاهدَة العيان وَهُوَ فِي الْآخِرَة لَا فِي الدُّنْيَا . وَقَوله : تجلي صِفَات الذَّات يحْتَمل وَجْهَيْن : أَحدهمَا أَن يراقب أَفعاله فِي الْخلق ، ويستحضر صِفَاته ، فيغلب يَقِين قدرَة الله عَلَيْهِ ، فيغيب عَن الْأَسْبَاب ، وَيسْقط عَنهُ الْخَوْف والتسبب ، ويغلب عَلَيْهِ علمه تَعَالَى بِهِ ، فَيبقى خاضعا مَرْعُوبًا مدهوشا كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " وَهِي مَوَاضِع النُّور بِمَعْنى أَن النَّفس تتنور بأنوار مُتعَدِّدَة تتقلب من نور إِلَى نور وَمن مراقبة إِلَى مراقبة بِخِلَاف تجلي الذَّات إِذْ لَا تعدد هُنَالك وَلَا تحول . وَثَانِيهمَا أَن يرى صفة الذَّات بِمَعْنى فعلهَا وخلقها بِأَمْر كن من غير توَسط الْأَسْبَاب الخارجية ، ومواضع النُّور هِيَ الأشباح المثالية النورية الَّتِي تتراءى للعارف عِنْد غيبَة حواسه عَن الدُّنْيَا . وَمعنى تجلي الْآخِرَة أَن يعاين كمجازاه ببصر بصيرته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ، ويجد ذَلِك من نَفسه كَمَا يجد الجائع ألم جوعه والظمآن ألم عطشه ، فمثال الأول قَول عبد الله بن عمر حِين سلم عَلَيْهِ إِنْسَان وَهُوَ فِي الطّواف ، فَلم يرد عَلَيْهِ السَّلَام ، فَشَكا إِلَى بعض أَصْحَابه ، فَقَالَ ابْن عمر : كُنَّا نترايا لله فِي ذَلِك الْمَكَان ، وَهَذِه الْحَالة نوع من الْغَيْبَة وَنَوع من الفناء ، وَذَلِكَ لِأَن كل لَطِيفَة من اللطائف الثَّلَاث لَهَا غيبَة وفناء ، فغيبة الْعقل وفناؤه سُقُوط معرفَة الْأَشْيَاء شغلا بربه ، وغيبة الْقلب وفناؤه سُقُوط محبَّة الْغَيْر وَالْخَوْف مِنْهُ ، وغيبة النَّفس وفناؤها سُقُوط شهوات النَّفس وانحجامها