أَقُول جبلة العَبْد النَّاشِئ مِنْهَا أخلاقها وعلومها ، والهيئات الَّتِي اكتسبتها نَفسه هِيَ المخصصة لنزول رَحْمَة خَاصَّة بِهِ ، فَرب عبد سمح الْخلق يظنّ بربه أَنه يتَجَاوَز عَن ذنُوبه ، وَلَا يُؤَاخذ بِكُل نقير وقطمير ، ويعامل مَعَه مُعَاملَة فَيكون رَجَاءَهُ ذَلِك سَببا لنفض خطيآته عَن نَفسه ، وَرب عبد شحيح الْخلق يظنّ بربه أَنه يؤاخذه بِكُل نقير وقطمير ، ويعامل مَعَه مُعَاملَة المتعمقين ، السماحة ، وَلَا يتَجَاوَز عَن ذنُوبه ، فَهَذَا بأشد الْمنزلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى هيئات دنيوية تحيط بِهِ بعد مَوته ، وَهَذَا الْفرق إِنَّمَا مَحَله الْأُمُور الَّتِي لم يتَأَكَّد فِي حَظِيرَة الْقُدس حكمهَا ، وَأما الْكَبَائِر وَمَا يشابهها فَلَا يظْهر فِيهِ إِلَّا بالإجمال ، وَقَوله " أَنا مَعَه " إِشَارَة إِلَى معية الْقبُول وَكَونه فِي حَظِيرَة الْقُدس ببال ، فَإِن ذكر الله فِي نَفسه ، وسلك طَرِيق التفكر فِي آلائه ، فَجَزَاؤُهُ أَن الله يرفع الْحجب فِي ميسره ذَلِك حَتَّى يصل إِلَى التجلي الْقَائِم فِي
حَظِيرَة الْقُدس ، وَإِن ذكر الله فِي مَلأ ، وَكَانَ همه إِشَاعَة دين الله وإعلاء كلمة الله فَجَزَاؤُهُ أَن الله يلهم محبته فِي قُلُوب الْمَلأ الْأَعْلَى يدعونَ لَهُ ، ويبركون عَلَيْهِ ، ثمَّ ينزل لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض ، وَكم من عَارِف بِاللَّه وصل إِلَى الْمعرفَة وَلَيْسَ لَهُ قبُول فِي الأَرْض وَلَا ذكر فِي الْمَلأ الْأَعْلَى ، وَكم من نَاصِر دين الله لَهُ قبُول عَظِيم وبركة جسيمة لم ترفع لَهُ الْحجب :
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ تَعَالَى : من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وأزيد ، وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فجزاء سَيِّئَة مثلهَا ، أَو أَغفر ، وَمن تقرب مني شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا ، وَمن تقرب مني ذِرَاعا تقربت مِنْهُ باعا وَمن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة وَمن لَقِيَنِي بقراب الأَرْض خطيئه لَا يُشْرك بِي شَيْئا لَقيته بِمِثْلِهَا مغْفرَة " أَقُول : الْإِنْسَان إِذا مَاتَ ، وَأدبر عَن الدُّنْيَا ، وضعفت سُورَة بهيميته ، وتلعلعت أنوار ملكيته ، فقليل خَيره كثير ، وَمَا بِالْعرضِ ضَعِيف بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ بِذَات وَالتَّدْبِير الإلهي مبناه على إفَاضَة الْخَيْر ، فالخير أقرب إِلَى الْوُجُود وَالشَّر أدق مِنْهُ ، وَهُوَ حَدِيث " إِن لله مائَة رَحْمَة أنزل مِنْهَا وَاحِدَة إِلَى الأَرْض " فَبين النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِك بِمثل الشبر . والذراع . والباع وَالْمَشْي . والهرولة ، وَلَيْسَ شَيْء أَنْفَع فِي الْمعَاد من التطلع إِلَى الجبروت والالتفات تلقاءها ، وَهُوَ قَوْله " من لَقِيَنِي بقراب الأَرْض خَطِيئَة لَا يُشْرك بِي شَيْئا لَقيته بِمِثْلِهَا مغْفرَة " ، وَقَوله تَعَالَى : " أعلم عَبدِي أَن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب ويؤاخذ بِهِ " .
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَالَ تَعَالَى : من عادى لي وليا فقد آذنته بِالْحَرْبِ ، وَمَا تقرب إِلَى عَبدِي إِلَيّ بِشَيْء أحب إِلَيّ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ ، وَمَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه ، فَإِن أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ ، وَيَده الَّتِي يبطش بهَا ، وَرجله الَّتِي يمشي بهَا ،
حجة الله البالغة — صفحة 110
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص١١٠