تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
الْحَرَام ، وَإِنَّمَا أوضع بمسحر لِأَنَّهُ مَحل هَلَاك أَصْحَاب الْفِيل ، فَمن شَأْن من خَافَ الله وسطوته أَن يستشعر الْخَوْف فِي ذَلِك الموطن ، ويهرب من الْغَضَب ، وَلما كَانَ استشعاره أمرا خفِيا ضبط بِفعل ظَاهر مُذَكّر لَهُ مُنَبّه للنَّفس عَلَيْهِ . ثمَّ أَتَى جَمْرَة الْعقبَة ، فَرَمَاهُ بِسبع حَصَيَات يكبر مَعَ كل حَصَاة مِنْهَا مثل حَصى الْخذف رمى من بطن الْوَادي . أَقُول : إِنَّمَا كَانَ رمي الْجمار فِي الْيَوْم الأول غدْوَة ، وَفِي سَائِر الْأَيَّام عَشِيَّة ، لِأَن من وَظِيفَة الأول النَّحْر وَالْحلق والإفاضة ، وَهِي كلهَا بعد الرَّمْي ، فَفِي كَونه غدْوَة توسعة ، وَأما سَائِر الْأَيَّام فأيام تِجَارَة وَقيام أسواق ، فالأسهل أَن يَجْعَل ذَلِك بعد مَا يفرغ من حَوَائِجه ، وَأكْثر مَا كَانَ الْفَرَاغ فِي آخر النَّهَار ، وَإِنَّمَا كَانَ رمى الْجمار توا ، وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة توا لما ذكرنَا من أَن الْوتر عدد مَحْبُوب ، وَأَن خَليفَة الْوَاحِد الْحَقِيقِيّ هُوَ الثَّلَاثَة أَو السَّبْعَة ، فبالحري أَلا يتَعَدَّى من السَّبْعَة إِن كَانَ فِيهَا كِفَايَة ، وَإِنَّمَا رمي بِمثل حَصى الْخذف لِأَن دونهَا غير محسوس ، وفوقها رُبمَا يُؤْذى فِي مثل هَذَا الْموضع . ثمَّ انْصَرف إِلَى المنحر فَنحر ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَة بِيَدِهِ ، ثمَّ أعْطى عليا رَضِي الله عَنهُ لينحر مَا غبر ، وأشركه فِي هَدْيه ، ثمَّ أَمر من كل بَدَنَة ببضعة فَجعلت فِي قدر ، فطبخت ، فأكلا من لَحمهَا وشربا من مرقها . أَقُول : إِنَّمَا نحر بِيَدِهِ هَذَا الْعدَد ، ليشكر مَا أولاه الله فِي كل سنة من عمره ببدنة ، وَإِنَّمَا أكل مِنْهَا وَشرب اعتناء بِالْهدى وتبركا بِمَا كَانَ لله تَعَالَى . قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نحرت هَهُنَا ، وَمنى كلهَا منحر ، فَانْحَرُوا فِي رحالكُمْ ، ووقفت هَهُنَا ، وعرفة كلهَا موقف ، ووقفت هَهُنَا ، وَجمع كلهَا موقف " وَزَاد فِي رِوَايَة وكل فجاج مَكَّة طَرِيق ومنحر " أَقُول : فرق النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَين مَا فعله تشريعا لَهُم وَبَين مَا فعله بِحَسب الِاتِّفَاق أَو لمصْلحَة خَاصَّة بذلك الْيَوْم أَو اخْتِيَارا لمحاسن الْأَمر . ثمَّ ركب رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْت ، فصلى بِمَكَّة الظّهْر ، وَطَاف وَشرب من زَمْزَم . أَقُول : إِنَّمَا بَادر إِلَى الْبَيْت لتَكون الطَّاعَة فِي أول وَقتهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَن الْإِنْسَان أَن يكون لَهُ مَانع ، وَإِنَّمَا شرب من زَمْزَم تَعْظِيمًا لشعائر الله وتبركا بِمَا أظهره الله رَحْمَة . فَلَمَّا انْقَضتْ أَيَّام منى نزل بِالْأَبْطح ، وَطَاف للوداع ، وَنَفر .