إِلَى مُوَافقَة قومه فِي اللبَاس والزي ، فَلَو خلى وَنَفسه ، وتبدل زيه لم يجد فِي قلبه بَأْسا ، وَرب إِنْسَان يحب الزي بِالذَّاتِ ، فَلَو خلى وَنَفسه لما سمح بِتَرْكِهِ .
وَإِن من الْإِنْسَان الْيَقظَان بالطبع يتفطن بِالْأَمر الْجَامِع بَين الكثرات ، ويمسك قلبه بِالْعِلَّةِ دون المعلولات والملكة دون الأفاعيل ، وَمِنْه الْوَسْنَان بالطبع يبْقى مَشْغُولًا بِالْكَثْرَةِ عَن الْوحدَة ، وبالافاعيل عَن الملكات ، وبالاشباح عَن الْأَرْوَاح .
وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان إِذا مَاتَ انْفَسَخ جسده الأرضي ، وَبقيت نَفسه النطقية مُتَعَلقَة بالنسمة متفرغة إِلَى مَا عِنْدهَا ، وطرحت عَنْهَا مَا كَانَ لضَرُورَة الْحَيَاة الدُّنْيَا من غير دَاعِيَة قلبية ، وَبَقِي فِيهَا مَا كَانَت تمسكه فِي جدر جوهرها ، وَحِينَئِذٍ تبرز الملكية ، وتضعف البهيمية ، ويترشح عَلَيْهَا من فَوْقهَا يَقِين بحظيرة الْقُدس وَبِمَا أحصى عَلَيْهَا هُنَالك ، وَحِينَئِذٍ تتألم الملكية ، أَو تتنعم .
وَاعْلَم أَن الملكية عِنْد غوصها فِي البهيمية وامتزاجها بهَا لَا بُد أَن تذعن لَهَا إذعانا مَا ، وتتأثر مِنْهَا أثرا مَا ، لَكِن الضار كل الضَّرَر أَن تتشبح فِيهَا هيئات منافرة فِي الْغَايَة ، والنافع كل النَّفْع أَن تتشبح فِيهَا هيئات مُنَاسبَة فِي الْغَايَة ؛ فَمن المنافرات أَن يكون قوى التَّعَلُّق بِالْمَالِ والأهل لَا يستيقن أَن
وراءهما مَطْلُوبا ، قوى الْإِمْسَاك للهيئات الدنية فِي جذر جوهرها ، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يجمعه أَنه على الطّرف الْمُقَابل للسماحة ، وَأَن يكون متلبسا بالنجاسات متكبرا على الله لم يعرفهُ وَلم يخضع لَهُ يَوْمًا وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يجمعه أَنه على الطّرف الْمُقَابل للإحسان ، وَأَن يكون نَاقض توجه حَظِيرَة الْقُدس فِي نصر الْحق ، وتنويه أمره ، وبعثة الْأَنْبِيَاء ، وَإِقَامَة النظام المرضى ، فأصيب مِنْهُم بالبغضاء واللعن ، وَمن المناسبات مُبَاشرَة أَعمال تحاكي الطَّهَارَة والخضوع للبارئ ، وتذكر حَال الْمَلَائِكَة وعقائد تنزعها من الاطمئنان بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَأَن يكون سَمحا سهلا ، وَأَن يعْطف عَلَيْهِ أدعيه الْمَلأ الْأَعْلَى وتوجهاتهم للنظام المرضى وَالله أعلم .
حجة الله البالغة — صفحة 76
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٧٦