تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
( بَاب أَسبَاب المجازاة ) اعْلَم أَن أَسبَاب المجازاة وَإِن كثرت ترجع إِلَى أصلين : إِحْدَاهمَا أَن تحس النَّفس من حَيْثُ قوتها الملكية بِعَمَل أَو خلق اكتسبته أَنه غير ملائم لَهَا ، فتتشبح فِيهَا ندامة وحسرة وألم رُبمَا أوجب ذَلِك تمثل واقعات فِي الْمَنَام أَو الْيَقَظَة تشْتَمل على إيلام وإهانة وتهديد ، وَرب نفس استعدت لإلهام الْمُخَالفَة ، فخوطبت على أَلْسِنَة الْمَلَائِكَة بِأَن تتراءى لَهُ كَسَائِر مَا تستعد لَهُ من الْعُلُوم ، وَإِلَى هَذَا الأَصْل وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى : { بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خطيئته فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ } . وَالثَّانِي توجه حَظِيرَة الْقُدس إِلَى بني آدم ، فَعِنْدَ الْمَلأ الْأَعْلَى هيئات وأعمال وأخلاق مرضية ومسخوطة ، فتطلب من رَبهَا طلبا قَوِيا تنعيم أهل هَذِه وتعذيب أهل تِلْكَ ، فيستجاب دعاؤهم ، وتحيط ببني آدم هممهم ، وتترشح عَلَيْهِم صُورَة الرِّضَا واللعنة ، كَمَا تترشح سَائِر الْعُلُوم ، فتتشبح واقعات إيلامية أَو إنعامية ، وتتراءى الْمَلأ الْأَعْلَى مهددة لَهُم أَو منبسطة إِلَيْهِم ، وَرُبمَا تأثرت النَّفس من سخطها ، فَعرض لَهَا كَهَيئَةِ الغشى أَو كَهَيئَةِ الْمَرَض ، وَرُبمَا ترشح مَا عِنْدهم من الهمة المتأكدة على الْحَوَادِث الضعيفة كالخواطر وَنَحْوهَا ، فألهمت الْمَلَائِكَة أَو بني آدم أَن يحسنوا أَو يسيئوا إِلَيْهِ ، وَرُبمَا أُحِيل أَمر من ملابساته إِلَى صَلَاح أَو فَسَاد ، وَظَهَرت تقريبات لتنعيمه أَو تعذيبه ، بل الْحق الصراح أَن لله تبَارك وَتَعَالَى عناية بِالنَّاسِ يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض توجب أَلا يهمل أَفْرَاد الْإِنْسَان سدى ، وَأَن يؤاخذهم على مَا يَفْعَلُونَهُ ، لَكِن لدقة مدركها جعلنَا دَعْوَة الْمَلَائِكَة عنوانا لَهَا وَالله أعلم ، وَإِلَى هَذَا الأَصْل وَقعت الْإِشَارَة فِي قَوْله تَعَالَى : { إِن الَّذين كفرُوا وماتوا وهم كفار أُولَئِكَ عَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ خَالِدين فِيهَا لَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب وَلَا هم ينظرُونَ } . ويتركب الأصلان ، فَيحدث من تركبهما بِحَسب استعداد النَّفس وَالْعَمَل صور كَثِيرَة عَجِيبَة ، لَكِن الأول أقوى فِي أَعمال وأخلاق تصلح النَّفس ، أَو تفسدها ، وَأكْثر النُّفُوس لَهُ قبولا أزكاها وأقواها ، وَالثَّانِي أقوى فِي أَعمال وأخلاق مناقضة للْمصَالح الْكُلية منافرة لما يرجع إِلَى صَلَاح نظام بني آدم ، وَأكْثر النُّفُوس لَهُ قبولا أضعفها ، وأسمجها ، وَلكُل من