قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ ، فَيبلغ الْوضُوء ، ثمَّ يَقُول : أشهد الخ - وَفِي رِوَايَة - اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين ، واجعلني من المتطهرين فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يدْخل من أَيهَا يَشَاء " .
أَقُول : روح الطَّهَارَة لَا يتم إِلَّا بتوجه النَّفس إِلَى عَالم الْغَيْب واستفراغ الْجهد فِي طلبَهَا ، فضبط لذَلِك ذكرا ورتب عَلَيْهِ مَا هُوَ فَائِدَة الطَّهَارَة الدَّاخِلَة فِي جذر النَّفس .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لمن لم يستوعب : " ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار " أَقُول : السِّرّ فِيهِ أَن الله تَعَالَى لما أوجب غسل هَذِه الْأَعْضَاء ، اقْتضى ذَلِك أَن يُحَقّق مَعْنَاهُ ، فَإِذا غسل بعض الْعُضْو ، وَلم يستوعب كُله لَا يَصح أَن يُقَال : غسل الْعُضْو ، وَأَيْضًا فِيهِ سد بَاب التهاون وَإِنَّمَا تخللت النَّار فِي الأعقاب لِأَن تراكم الْحَدث والإصرار على عدم إِزَالَته خصْلَة مُوجبَة للنار ، وَالطَّهَارَة مُوجبه للنجاة مِنْهَا وتكفير الْخَطَايَا ، فَإِذا لم يُحَقّق معنى الطَّهَارَة فِي عُضْو ، وَخَالف حكم الله فِيهِ كَانَ ذَلِك سَبَب أَن يظْهر تألم النَّفس بالخصلة الْمُوجبَة لفساد النَّفس من قبل هَذَا الْعُضْو ، وَالله أعلم .
( مُوجبَات الْوضُوء )
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تقبل صَلَاة من أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ : وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِفْتَاح الصَّلَاة الطّهُور " ، أَقُول : كل ذَلِك تَصْرِيح بِاشْتِرَاط الطَّهَارَة ، وَالطَّهَارَة طَاعَة مُسْتَقلَّة وقتت بِالصَّلَاةِ لتوقف فَائِدَة كل وَاحِدَة مِنْهُمَا على الْأُخْرَى ، وَفِيه تَعْظِيم أَمر الصَّلَاة الَّتِي هِيَ من شَعَائِر الله .
وموجبات الْوضُوء فِي شريعتنا على ثَلَاث دَرَجَات : ( إِحْدَاهَا ) . مَا اجْتمع عَلَيْهِ جُمْهُور الصَّحَابَة ، وتطابق فِيهِ الرِّوَايَة ، وَالْعَمَل الشَّائِع وَهُوَ الْبَوْل الْغَائِط وَالرِّيح والمذي وَالنَّوْم الثقيل وَمَا فِي مَعْنَاهَا .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وكاء السه العينان " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فإنه إِذا اضْطجع استرخت مفاصله . أَقُول : مَعْنَاهُ أَن النّوم الثقيل مَظَنَّة لاسترخاء الْأَعْضَاء وَخُرُوج الْحَدث ، وَأرى أَن مَعَ ذَلِك لَهُ سَبَب آخر ، هُوَ أَن النّوم يبلد النَّفس ، وَيفْعل فعل الْأَحْدَاث .
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَذْي : " يغسل ذكره ، وَيتَوَضَّأ " . أَقُول . لَا شكّ أَن الْمَذْي الْحَاصِل من الملاعبة قَضَاء شَهْوَة دون شَهْوَة الْجِمَاع ، فَكَانَ من حَقه أَن يسْتَوْجب طَهَارَة دون الطَّهَارَة الْكُبْرَى .
حجة الله البالغة — صفحة 298
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٩٨