تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نزل الْقُرْآن على خَمْسَة وُجُوه ، حَلَال ، وَحرَام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال . أَقُول : هَذِه الْوُجُوه أَقسَام للْكتاب وَلَو بتقسيمات شَتَّى ، فَلَا جرك لَيْسَ فِيهِ تمانع حَقِيقِيّ ، فَالْحكم يكون تَارَة حَلَالا وَأُخْرَى حَرَامًا ، وَفِي أصُول الدّين ترك الْخَوْض بِالْعقلِ فِي المتشابهات من الْآيَات وَالْأَحَادِيث ، وَمن ذَلِك أُمُور كَثِيرَة لَا يدْرِي أأريد حَقِيقَة الْكَلَام أم أقرب مجَاز إِلَيْهَا ؟ وَذَلِكَ فِيمَا لم تجمع عَلَيْهِ الْأمة ، وَلم ترْتَفع فِيهِ الشُّبْهَة وَالله أعلم . ( من أَبْوَاب الطَّهَارَة ) اعْلَم أَن الطَّهَارَة على ثَلَاثَة أَقسَام : طَهَارَة من الْحَدث ، وطهارة من النَّجَاسَة الْمُتَعَلّقَة بِالْبدنِ أَو الثَّوْب أَو الْمَكَان ، وطهارة من الأوساخ النابتة من الْبدن كشعر الْعَانَة والأظافر والدرن . أما الطَّهَارَة من الْأَحْدَاث فمأخوذة من أصُول الْبر ، والعمدة فِي معرفَة الْحَدث ، وروح الطَّهَارَة وجدان أَصْحَاب النُّفُوس الَّتِي ظَهرت فِيهَا أنوار ملكية ، فأحسست بمنافرتها للحالة الَّتِي تسمى حَدثا ، وسرورها وانشراحها فِي الْحَالة الَّتِي تسمى طَهَارَة ، وَفِي تعْيين هيئات الطَّهَارَة وموجباتها مَا اشْتهر فِي الْملَل السَّابِقَة من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وبقايا الْملَل الإسماعيلية ، فَكَانُوا يجْعَلُونَ الْحَدث على قسمَيْنِ ، وَالطَّهَارَة على ضَرْبَيْنِ - كَمَا ذكرنَا من قبل - وَكَانَ الْغسْل من الْجَنَابَة سنة سائره فِي الْعَرَب فوزع النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قسمي الطَّهَارَة على نَوْعي الْحَدث ، فَجعل الطَّهَارَة الْكُبْرَى بإزاء الحَدِيث الْأَكْبَر لِأَنَّهُ أقل وقوعا وَأكْثر لوثا وأحوج إِلَى تَنْبِيه النَّفس بِعَمَل شاق ، قَلما يفعل ، مثله ، وَالطَّهَارَة الصُّغْرَى بإزاء الْحَدث الْأَصْغَر لِأَنَّهُ أَكثر وقوعا وَأَقل لوثا ويكفيه التَّنْبِيه فِي الْجُمْلَة ، والأمور الَّتِي فِيهَا معنى الحَدِيث كَثِيرَة جدا يعرفهَا أهل الأذواق السليمة . . . لَكِن الَّذِي يصلح أَن يُخَاطب بِهِ النَّاس كَافَّة مَا هُوَ منضبط بِأُمُور محسوسة ظَاهِرَة الْأَثر فِي النَّفس لتمكن الْمُؤَاخَذَة بِهِ جهرة ، فَلذَلِك تعين أَلا يدار الحكم على اشْتِغَال النَّفس بِمَا يختلج فِي الْمعدة ، وَلَكِن يدار على خُرُوج شَيْء من السَّبِيلَيْنِ فَإِن الأول غير مضبوط الْمِقْدَار وَإِذا تمكن لَا يعرفهُ الْوضُوء من خَارج ، وَالثَّانِي مَعْلُوم بالحس ، وَأَيْضًا فلمعنى انقباض النَّفس فِيهِ شبح محسوس وخليقه ظَاهِرَة وَهِي التلطخ بِالنَّجَاسَةِ ، وَأَيْضًا إِنَّمَا يُؤثر الْوضُوء عِنْد زَوَال اشْتِغَال النَّفس وَذَلِكَ بِالْخرُوجِ ، وَقد نبه النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله " لَا يصل أحدكُم وَهُوَ يدافع الأخبثين . " أَن نفس الِاشْتِغَال فِيهِ معنى من مَعَاني الْحَدث . والأمور الَّتِي فِيهَا معنى الطَّهَارَة كَثِيرَة كالتطيب والأذكار المذكرة لهَذِهِ الْخلَّة كَقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين " وَقَوله : " اللَّهُمَّ نقني من الْخَطَايَا