تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجة الله البالغة — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
فنصب للْمصَالح مظان وأمارات مضبوطة مَعْلُومَة ، وأدار الحكم عَلَيْهَا ، وكلف النَّاس بهَا ، وَضبط أَنْوَاع الْبر بِتَعْيِين الْأَركان والشروط والآداب ، وَجعل من كل نوع حدا يطْلب مِنْهُم لَا محَالة وحدا يندبون إِلَيْهِ من غير إِيجَاب ، وَاخْتَارَ من كل بر عددا يُوجب عَلَيْهِم ، وَآخر يندبون إِلَيْهِ ، فَصَارَ التَّكْلِيف مُتَوَجها إِلَى أنفس تِلْكَ المظان ، وَصَارَت الْأَحْكَام دَائِرَة على أنفس تِلْكَ الأمارات ، وَصَارَ مرجع هَذَا النَّوْع إِلَى قوانين السياسة الملية ، . . . وَلَيْسَ كل مَظَنَّة لمصْلحَة توجب عَلَيْهِم ، وَلَكِن مَا كَانَ مِنْهَا مضبوطا أمرا محسوسا أَو وَصفا ظَاهرا يُعلمهُ الْخَاصَّة والعامة ، وَرُبمَا يكون للايجاب وَالتَّحْرِيم أَسبَاب طارئة يكْتب لأَجلهَا فِي الْمَلأ الْأَعْلَى فَيتَحَقَّق هُنَالك صُورَة الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم كسؤال سَائل ورغبة قوم فِيهِ أَو أعراضهم عَنهُ ، وكل ذَلِك غير مَعْقُول الْمَعْنى بِمَعْنى أَنا وَإِن كُنَّا نعلم قوانين التَّقْدِير والتشريع ، فَلَا نعلم وجود كِتَابَته فِي الْمَلأ الْأَعْلَى وَتحقّق صُورَة الْوُجُوب فِي حَظِيرَة الْقُدس إِلَّا بِنَصّ الشَّرْع ، فَإِنَّهُ من الْأُمُور الَّتِي لَا سَبِيل إِلَّا إِدْرَاكهَا إِلَّا الْإِخْبَار الإلهي مثل ذَلِك - كَمثل الجمد - نعلم أَن سَبَب حُدُوثه برودة تضرب المَاء وَلَا نعلم أَن مَاء الْقَعْب فِي ساعتنا هَذِه صَار جمدا أَو لَا إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ أَو إِخْبَار من شَاهد ، فعلى هَذَا الْقيَاس نعلم أَنه لَا بُد من تَقْدِير النّصاب فِي الزَّكَاة ، ونعلم أَن مِائَتي دِرْهَم وَخَمْسَة أَو سَاق قدر صَالح للنصاب ، لِأَنَّهُ يحصل بهَا غَنِي مُعْتَد بِهِ ، وهما أَمْرَانِ مضبوطان مستعملان عِنْد الْقَوْم ، وَلَا نعلم أَن الله تَعَالَى كتب علينا هَذَا النّصاب ، وأدار الرِّضَا ، والسخط عَلَيْهِ إِلَّا بِنَصّ الشَّرْع ، كَيفَ وَكم من سَبَب لَهُ لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته إِلَّا الْخَبَر ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أعظم الْمُسلمين فِي الْمُسلمين جرما " الحَدِيث وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خشيت أَن يكْتب عَلَيْكُم " . وَقد اتّفق من يعْتد بِهِ من الْعلمَاء على أَن الْقيَاس لَا يجْرِي فِي بَاب الْمَقَادِير ، وعَلى أَن حَقِيقَة الْقيَاس تَعديَة حكم الأَصْل إِلَى الْفَرْع لعِلَّة مُشْتَركَة لَا جعل مَظَنَّة مصلحَة عِلّة أَو جعل شَيْء مُنَاسِب ركنا أَو شرطا ، وعَلى أَنه لَا يصلح الْقيَاس لوُجُود الْمصلحَة ، وَلَكِن لوُجُود عِلّة مصبوطة أدير عَلَيْهَا الحكم ، فَلَا يُقَاس مُقيم بِهِ حرج على الْمُسَافِر فِي رخص الصَّلَاة وَالصَّوْم فان دفع الْحَرج مصلحَة الترخيص لا علة الْقصر والإفطار ، وَإِنَّمَا الْعلَّة هِيَ السّفر فَهَذِهِ الْمسَائِل لم يخْتَلف فِيهَا الْعلمَاء إِجْمَالا ، وَلَكِن يحملهَا أَكْثَرهم عِنْد التَّفْصِيل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبمَا تشتبه الْمصلحَة بِالْعِلَّةِ ، والتشريع ، وَبَعض الْفُقَهَاء عِنْدَمَا خَاضُوا فِي الْقيَاس تحيروا فلجوا بِبَعْض الْمَقَادِير ، وأنكروا استبدالها بِمَا يقرب مِنْهَا ، وتسامحوا فِي بَعْضهَا ، فنصبوا أَشْيَاء مقَامهَا ، . . . مِثَال ذَلِك تقديرهم نِصَاب الْقطن بِخَمْسَة أحمال ، ونصبهم ركُوب