حكمه ، أما النّدب وَالْكَرَاهَة ففيهما تَفْصِيل : فَأَي مَنْدُوب أَمر الشَّارِع بِعَيْنِه ، ونوه بأَمْره ، وسنه للنَّاس - فحاله حَال الْوَاجِب ، وَأي مَنْدُوب اقْتصر الشَّارِع على بَيَان مصْلحَته ، أَو اخْتَار الْعَمَل هُوَ بِهِ من غير أَن يسنه ، وينوه بأَمْره - فَهُوَ بَاقٍ على الْحَالة الَّتِي كَانَت قبل التشريع ، وَإِنَّمَا نِصَاب الْأجر فِيهِ من قبل الْمصلحَة الَّتِي وجدت مَعَه لَا بِاعْتِبَار نَفسه ، وَكَذَلِكَ حَال الْمَكْرُوه على هَذَا التَّفْصِيل ، وَإِذا تحققت هَذِه الْمُقدمَة اتَّضَح عنْدك أَن أَكثر المقاييس الَّتِي يفتخر بهَا الْقَوْم ، ويتطاولون لأَجلهَا على معشر أهل الحَدِيث يعود وبالا عَلَيْهِم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ .
( بَاب كَيْفيَّة تلقي الْأمة الشَّرْع من النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
وَاعْلَم أَن تلقي الْأمة مِنْهُ الشَّرْع على وَجْهَيْن : أَحدهمَا تلقي الظَّاهِر ، وَلَا بُد أَن يكون بِنَقْل إِمَّا متواترا ، أَو غير متواتر . . . ، والمتواتر مِنْهُ الْمُتَوَاتر لفظا كالقرآن الْعَظِيم ، وكنبذ يسير من الْأَحَادِيث مِنْهَا قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم " ، وَمِنْه
الْمُتَوَاتر معنى ككثير من أَحْكَام الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج والبيوع وَالنِّكَاح والغزوات مِمَّا لم يخْتَلف فِيهِ فرقة من فرق الْإِسْلَام . . . ، وَغير الْمُتَوَاتر أَعلَى درجاته المستفيض ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ثَلَاثَة من الصَّحَابَة فَصَاعِدا ، ثمَّ لم يزل يزِيد الروَاة إِلَى الطَّبَقَة الْخَامِسَة ، وَهَذَا قسم كثير الْوُجُود ، وَعَلِيهِ بِنَاء رُءُوس الْفِقْه . ثمَّ الْخَبَر الْمقْضِي لَهُ بِالصِّحَّةِ أَو الْحسن على أَلْسِنَة حفاظ الْمُحدثين وكبرائهم ، ثمَّ أَخْبَار فِيهَا كَلَام قبلهَا بعض ، وَلم يقبلهَا آخَرُونَ ، فَمَا اعتضد مِنْهَا بالشواهد أَو قَول أَكثر أهل الْعلم أَو الْعقل الصَّرِيح وَجب اتباعه .
وَثَانِيهمَا التلقي دلَالَة ، وَهِي أَن يرى الصَّحَابَة رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ، وَيفْعل ، فاستنبطوا من ذَلِك حكما من الْوُجُوب وَغَيره ، فَأخْبرُوا بذلك الحكم ، فَقَالُوا . الشَّيْء الْفُلَانِيّ وَاجِب ، وَذَلِكَ الآخر جَائِز ، ثمَّ تلقى التابعون من الصَّحَابَة كَذَلِك ، فدون الطَّبَقَة الثَّالِثَة فتاواهم
حجة الله البالغة — صفحة 228
مساهمون: ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
ص٢٢٨