وما زال يدنيه حتى أتكأه فخذه ، وتحفى به ، ثم سأله عَنْ نفسه وعن عياله ، فسماهم رجلا رجلا ، وامرأة امرأة ، ثم قَالَ : يا أبا عثمان عظني ، فقال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { وَالْفَجْرِ ( 1 ) وَلَيَالٍ عَشْرٍ ( 2 ) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ( 3 ) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ( 4 ) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( 5 ) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ( 10 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ } يا أبا جعفر { لَبِالْمِرْصَادِ } .
قَالَ : فبكى بكاء شديدا ، كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا تلك الساعة ، وَقَالَ : زدني ، فقال : إن اللَّه قد أعطاك الدنيا بأسرها ، فاشتر نفسك منه ببعضها ، واعلم أن هذا الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد من كان قبلك ثم أفضى إليك ، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك ، وإني أحذرك ليلة تمخض صبيحتها عَنْ يوم القيامة ، قَالَ : فبكى وَاللَّه أشد من بكائه الأول ، حتى جف جنباه ، فقال له سليمان بْن مجالد : رفقا بأمير المؤمنين ، قد أتعبته منذ اليوم ، فقال له عمرو : بمثلك ضاع الأمر وانتشر ، لا أبا لك ، وماذا خفت على أمير المؤمنين أن بكى من خشية اللَّه ؟ ! فقال له أمير المؤمنين : يا أبا عثمان أعني بأصحابك أستعن بهم ، قَالَ : أظهر الحق يتبعك أهله ، قَالَ : بلغني أن مُحَمَّد بْن عبد اللَّه بْن حسن بْن حسن ، وَقَالَ ابْن دريد : أن عبد اللَّه بْن حسن كتب إليك كتابا ، قَالَ : قد جاءني كتبا يشبه أن يكون كتابه ، قَالَ : فبم أجبته ، قَالَ : أوليس قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف إلينا ؟ إني لا أراه ، قَالَ : أجل لكن تخلف لي ليطمئن قلبي ، قَالَ : لئن كذبتك تقيه ، لأحلفن لك تقيه ، قَالَ : وَاللَّه والله أنت الصادق البر قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم تسعتين بها على سفرك وزمانك ، قَالَ : لا حاجة لي فيها ، قَالَ : وَاللَّه لتأخذنها ، قَالَ : وَاللَّه لا أخذتها ، فقال له المهدي : يحلف أمير المؤمنين وتحلف ؟ ! فترك المهدي ، وأقبل على المنصور ، فقال : من هذا الفتى ؟ فقال : هذا ابني مُحَمَّد ، وهو المهدي وولي العهد ، قَالَ : وَاللَّه لقد أسميته اسما ما استحقه عمله ، وألبسته لبوسا ما هو من لبوس الأبرار ، ولقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه ، ثم التفت إلى المهدي ،
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 66
مساهمون: بشار عواد معروف
ص٦٦