الحداد ، قَالَ : قرئ على أَحْمَد بن الممتنع وأنا أسمع ، قيل له : أخبركم صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي ، قَالَ : حضرت المهتدي باللَّه أمير المؤمنين رحمة اللَّه عليه وقد جلس للنظر في أمور المتظلمين في دار العامة ، فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها ، فيأمر بالتوقيع فيها وينشأ الكتاب عليها ، ويحرر ويختم ، ويدفع إلى صاحبه بين يديه ، فسرني ذلك واستحسنت ما رأيت منه ، فجعلت أنظر إليه ، ففطن ونظر إلي ، فغضضت عنه ، حتى كان ذلك مني ومنه مرارًا ثلاثة ، إذا نظر غضضت ، وإذا شغل نظرت ، فقَالَ لي : يا صالح ، قلت : لبيك يا أمير المؤمنين وقمت قائمًا ، فقَالَ : في نفسك منا شيء تريد ، أو قَال : تحب ، أن تقوله ؟ قلت : نعم يا سيدي ، فقَالَ لي : عد إلى موضعك ، فعدت وعاد إلى النظر حتى إذا قام قَالَ للحاجب لا يبرح صالح ، وانصرف الناس ثم أذن لي ، وهمتني نفسي ، فدخلت فدعوت له ، فقَالَ لي : اجلس ، فجلست فَقَال : يا صالح تقول لي ما دار في نفسك ، أو أقول أنا ما دار في نفسي أَنَّهُ دار في نفسك ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ما تعزم عليه وتأمر به ، فَقَالَ : أقول أنا إنه دار في نفسي أنك استحسنت ما رأيت منا فقلت أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يَقُول : إن القرآن مخلوق .
فورد على قلبي أمر عظيم ، ثم قلت : يا نفس هل تموتين قبل أجلك ، وهل تموتين إلا مرة ، وهل يجوز الكذب في جد أو هزل ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما قلت .
فأطرق مليًا ثم قَالَ : ويحك اسمع مني ما أقول ، فواللَّه لتسمعن الحق ، فسري عني ، وقلت : يا سيدي ومن أولى بقول الحق منك وأنت خليفة رب العالمين ، وابن عم سيد المرسلين من الأولين والآخرين .
فَقَال : ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدرًا من أيام الواثق ، حتى أقدم أَحْمَد بن أبي دؤاد علينا شيخًا من أهل الشام من أهل أذنة ، فأدخل الشيخ على الواثق مقيدًا وهو
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 273
مساهمون: بشار عواد معروف
ص٢٧٣