جميل الوجه ، تام القامة ، حسن الشيبة ، فرأيت الواثق قد استحيى منه ورق له ، فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه ، فسلم الشيخ فأحسن ، ودعا فبلغ وأوجز .
فقَالَ له الواثق : اجلس ، فجلس ، وقَالَ له : يا شيخ ناظر بن أَبِي دؤاد على ما يناظرك عليه ، فقَالَ له الشيخ : يا أمير المؤمنين ابن أَبِي دؤاد يصبو ويضعف عن المناظرة ، فغضب الواثق وعاد مكان الرقة له غضبًا عليه ، وقَالَ : أبو عبد اللَّه بن أبي دؤاد يصبو ويضعف عن مناظرتك أنت ؟ ! فقَالَ الشيخ : هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك ، وائذن في مناظرته ، فقَالَ الواثق : ما دعوتك إلا للمناظرة ، فقَالَ الشيخ : يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نَقُول : قَالَ أفعل ، فقَال الشيخ : يا أَحْمَد أَخْبَرَنِي عن مقَالتك هذه هي مقَالة واجبة داخلة في عقد الدين فلا يكون الدين كاملًا حتى يقَال فيه بما قلت ؟ قَالَ : نعم .
قَالَ الشيخ : يا أَحْمَد أَخْبَرَنِي عن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثه اللَّه إلى عباده هل ستر رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئًا مما أمره اللَّه به في أمر دينهم ؟ فَقَال : لا .
فقَالَ الشيخ : فدعا رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأمة إلى مقَالتك هذه ؟ فسكت بن أَبِي دؤاد ، فقَالَ الشيخ : تكلم ، فسكت ، فالتفت الشيخ إلى الواثق ، فقَال : يا أمير المؤمنين واحدة .
قال الواثق : واحدة .
فقَال الشيخ : يا أَحْمَد أَخْبَرَنِي عن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ حين أنزل القرآن على رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا } .
كان اللَّه تعالى الصادق في إكماله دينه ، أو أنت الصادق في نقصانه ، حتى يقَال فيه بمقَالتك هذه .
فسكت بن أبي دؤاد ، فقَال الشيخ : أجب يا أَحْمَد فلم يجب ، فقَالَ الشيخ : يا أمير المؤمنين اثنتان ، فقَالَ الواثق : نعم اثنتان .
قَالَ الشيخ : يا أَحْمَد أَخْبَرَنِي عن مقَالتك هذه علمها رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم جهلها ؟ قَالَ ابن أبي دؤاد علمها ، قَالَ : فدعا الناس إليها ؟ فسكت .
قَالَ الشيخ يا أمير المؤمنين ثلاث .
قَالَ الواثق : ثلاث ،
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار ) — صفحة 274
مساهمون: بشار عواد معروف
ص٢٧٤