تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الفكر في النحو — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
مرت عليه الرسل قبله ، وأنه ليس ببدع ، كما قال في السورة نفسها ، فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ " الطريق " ، لأنه " فعيل " بمعنى " مفعول " . أي : إنه مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل ، وليس في المواضع الأُخر ما يقتضي هذا المعنى . فكان لفظ الصراط بها أولى ، لأنه أمدح من جهة الاشتقاق والوزن كما تقدم . وأما إضافته إلى اللفظ المجمل ، ولم يقل : " صراط النبيين والصالحين " . فلفائدتين : إحداهما : نفي التقليد عن القلب ، واستشعار العمل بأن من هدي إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه ، ولو ذكرهم بأعيانهم لم يكن فيه هذا المعنى . والفائدة الأخرى أن الآية عامة في طبقات المسلمين مسيئهم وصالحهم . والمسيء لا يطلب درجة العالي حتى ينال التي هي أقرب إليه ، ولفظ ( الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) يشمل الجميع ، وجميع المأمورين بهذا الدعاء يطلب صراط الذين أنعم الله عليهم ، وهم أصناف ، كما أن السائلين لدرجاتهم أصناف . وأما قوله تعالى : ( الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، ولم يقل : " المنعم عليهم " ، فلأن ذكر نعمة المنعم والثناء بها عليه وذكر النعم شكر ، وإبراز ضمير الفاعل العائد على الله سبحانه من قوله : ( أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ذكر لله تعالى باللسان والقلب ، ولو قال : " المنعم عليهم " لخلا هذا اللفظ من هذه الفوائد المقرونة بالدعاء ، وهي الشكر والذكر ، ألا ترى إلى قول إبراهيم عليه السلام : ( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ) ؟ فأضاف الفعل إلى ربه ، ثم قال : ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) . ولم يقل : " أمرضني " ، كما قال : ( يُطْعِمُنِي ) ، إذ ليس في قولك " أمرضني " إلا الإخبار المجرد عن الشكر والثناء ، وربما اقترن به تسخط وتضجر ، فعدل عنه إلى قوله : ( مَرِضْتُ ) . ولذلك قال سبحانه : ( الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) ولم يقل : " الذين غضبت عليهم " ، إذ ليس في الإخبار عنه بالغضب من الشكر والإحسان ما في قوله : ( أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ؟ فكان اللفظ الوجيز أولى . ولفائدة أخرى وهي أن الغضب صفة ينبغي للعبد أن يشترك فيها مع الرب فيغضب لغضب الله تعالى ، فاليهود قد غضب عليهم لغضب الله وجميع المؤمنين ،