فصل
( في وقوع " ما " على المصدر )
قد قدمنا أن " ما " اسم مبهم يقع على جميع الأجناس ، والمصدر جنس من
الأجناس ، فمعنى وقوعه عليه أن يعني بها مصدراً ، ثم تصلها بفعل وفاعل .
ثم تعمل ذلك الفعل في ضمير المصدر ، وهو العائد على " ما " ، فيكون مفعولًا مطلقاً ، تقول : أعجبني ما صنعت ، أي : أعجبني الفعل الذي صنعته ، كما تقول : أعجبني ما لبست أو ما أكلت ، فيكون معناه الثوب الذي لبسته ، أو الطعام الذي أكلته .
فكما وقعت على الثوب والطعام وغير ذلك ، فكذلك وقعت على المصدر
والظرف وهى في كل هذا بمنزلة " الذي " كما تقدم .
وظن بعض النحويين أن التي يعني بها المصدر ليست بما الأولى ، وإنما هي
بمنزلة " أن " مع الفعل ، بتأويل المصدر .
وليس كمنا ظنوه ، ألا ترى أنك لا تقول :
يعجبني ما تجلس كما تقول : يعجبني أن تجلس وأن تخرج وأن تقعد .
ولا تقول في هذا كله " ما " ؟
والأصل في هذا الفصل أن " ما " لما كانت اسماً مبهماً ، لم يصح
وقوعها إلا على جنس تختلف أنواعه ، فإن كان المصدر مختلف الأنواع جاز أن تقع عليه ويعبر بها عنه ، كقولك : يعجبني ما صنعت ، وما عملت ، وما فعلت .
وكذلك تقول : ما حكمت ، لأن الحكم مختلف أنواعه ، وكذلك الصنع والفعل والعمل .
فإن قلت : يعجبني ما جلست ، وما انطلق زيد ، كان غثا من الكلام ، لخروج ( ما ) عن الإبهام ، ووقوعها على ما لا يتنوع من المعاني ، لأنه يكون التقدير حينئذ :
أعجبني الجلوس الذي جلست ، والقعود الذىِ قعدت ، فيكون آخر الكلام مفسراً لأوله ، رافعاً للإبهام ، فلا معنى حينئذ ل " ما " .
فأما قوله تعالى : ( ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا ) ، فلأن المعصية تختلف أنواعها .
وقوله سبحانه وتعالى : ( بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) .
فهو كقوله : لأعاقبنك بما ضربت زيداً ، وبما شتمت عمراً ، أوقعتها على الذنب ، والذنب
نتائج الفكر في النحو — صفحة 144
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص١٤٤