فَقَدْ يُقَدَّمُ جَزماً الوصلُ ، أَوْ الإرسالُ لمرجِّحٍ مِن نَحوِ ملازمةٍ ، ومِنْ ثَمَّ قَدَّمَ البُخَارِيُّ - كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنا ( 1 ) - الإرْسالَ في أحاديثَ ، لقرائنَ قامَتْ عندَهُ ( 2 ) .
مِنْها : أنَّه ذَكَرَ لأبي داودَ الطَيَالِسِيِّ حَدِيثاً وصَلُهُ ، وَقَالَ : ( ( إرسالُهُ أثبتُ ) ) ( 3 ) .
( ثُمَّ ) إذَا قلنا بأنَّ الحُكْمَ للأحفظِ ، ( فَمَا إرْسَالُ عَدْلٍ يَحْفَظُ يَقْدَحُ ) أي : فَليسَ إرسالُ العَدْلِ الأحفظِ قادِحاً ( في أهْليَّةِ الوَاصِلِ ) ، من ضَبطٍ ، وعدالةٍ ( 4 ) .
( أَوْ ) أي : ولا في ( مُسْنَدِهِ ) الذي لَمْ يقعْ فِيهِ التَّعارِضُ ( عَلَى الأَصَحِّ ) لاحتِمالِ إصابَتِهِ ، وَوَهَمِ الأحفظِ ، بَخلافِ مُسْنَدِهِ الذي وقعَ فِيهِ التَّعارضُ .
وردُّهُ لَيْسَ للقدحِ فِي عَدالتِهِ ، بَلْ لِلاحتياطِ .
وَمُقابِلُ الأَصَحِّ يَقُول : يَقدحُ ذَلِكَ فِيْمَا ذُكِرَ نظراً للظاهرِ .
( وَرَأَوْا ) أي : أَهْلُ الحديثِ ، فِيْمَا يَخْتلِفُ فِيهِ الثِّقاتُ مِنَ الحديثِ ، بأن يَرْوِيَه بَعْضُهم مَرْفُوْعاً ، وَبَعْضُهم مَوْقُوْفاً ( أنَّ الأصَحَّ : الحُكْمُ لِلرَّفعِ ( 5 ) ) ، لأنَّ راويه مُثْبِتٌ ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النافِي ، فَعَلى الساكتِ أوْلَى ؛ لأنَّ مَعَهُ زِيَادةَ عِلْمٍ ( 6 ) .
هامش
( 1 ) النكت لابن حجر 2 / 606 - 607 .
( 2 ) قال السخاوي في فتح المغيث 1 / 193 : ( ( فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن كابن مهدي ، والقطان ، وأحمد ، والبخاري عدم المراد حكم كلي ، بل ذلك دائر مع الترجيح ، فتارة يترجح الوصل ، وتارة الإرسال ، وتارة يترجح عدد الذوات على الصفات ، وتارة العكس ، ومن راجع أحكامهم الجزئية تبين له ذلك ، والحديث المذكور لم يحكم له البخاريّ بالوصل المجرد أن الواصل معه زيادة ، بل لما انظم لذلك من قرائن رجحته لكون يونس بن أبي إسحاق ، وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولاً ، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم ، لا سيما وإسرائيل . قال فيه ابن مهدي : إنه كان يحفظ حديث جده ، كما يحفظ سورة الحمد . . . ) ) . وانظر : النكت لابن حجر 2 / 606 .
( 3 ) انظر : النكت لابن حجر 2 / 607 .
( 4 ) انظر : شرح التبصرة والتذكرة 1 / 301 .
( 5 ) في ( ص ) : ( ( الرفع ) ) .
( 6 ) معرفة أنواع علم الحديث : 183 ، والتقييد والإيضاح : 94 - 95 ، وشرح التبصرة والتذكرة 1 / 301 ، وتدريب الرّاوي 1 / 221 .