فقالَتْ : بِكَ وَبِكَ ! فقُلْتُ : قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ . فَأخْرَجَتْ عَجِينًا ، فَبسَقَ فِيهِ وَبَاركَ ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنا فَبصَقَ وَبَارَكَ ، ثُمَّ قَالَ : « ادْعِي خَابزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ ، وَلاَ تُنْزِلُوها » وَهُم ألْفٌ ، فَأُقْسِمُ بِالله لأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا ، وَإنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطّ كَمَا هِيَ ،
وَإنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ .
قَوْله : « عَرَضَتْ كُدْيَةٌ » بضم الكاف وإسكان الدال وبالياء المثناة تَحْتَ ، وَهِيَ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ صُلْبَةٌ مِنَ الأرضِ لاَ يَعْمَلُ فِيهَا الفَأسُ ، وَ « الكَثيبُ » أصْلُهُ تَلُّ الرَّمْل ، وَالمُرَادُ هُنا : صَارَتْ تُرابًا نَاعِمًا ، وَهُوَ مَعْنَى « أهْيَلَ » . وَ « الأَثَافِيُّ » : الأحجَارُ الَّتي يكُونُ عَلَيْهَا القِدْرُ ، وَ « تَضَاغَطُوا » : تَزَاحَمُوا . وَ « المَجَاعَةُ » : الجُوعُ ، وَهُوَ بفتح الميم . وَ « الخَمَصُ » : بفتح الخاء المعجمة والميم : الجُوعُ ، وَ « انْكَفَأتُ » : انْقَلَبْتُ وَرَجَعْتُ . و « البُهَيْمَةُ » بضم الباء ، تصغير بَهْمَة وَهيَ ، العَنَاقُ ، بفتح العين . وَ « الدَّاجِنُ » : هِيَ الَّتي ألِفَتِ البَيْتَ : وَ « السُّؤْرُ » الطَّعَامُ الَّذِي يُدْعَى النَّاسُ إِلَيْهِ ؛ وَهُوَ بالفَارِسيَّة . وَ « حَيَّهَلا » أيْ تَعَالُوا . وَقَوْلُهَا « بك وَبكَ » أيْ خَاصَمَتْهُ وَسَبَّتْهُ ، لأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أنَّ الَّذِي عِنْدَهَا لاَ يَكْفِيهمْ ، فَاسْتَحْيَتْ وَخَفِيَ عَلَيْهَا مَا أكْرَمَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ هذِهِ المُعْجِزَةِ الظَّاهِرَةِ وَالآية البَاهِرَةِ . « بَسَقَ » أيْ : بَصَقَ ؛ وَيُقَالُ أيْضًا : بَزَقَ ، ثَلاث لُغاتٍ . وَ « عَمَدَ » بفتح الميم ، أيْ : قَصَدَ . وَ « اقْدَحي » أيْ : اغْرِفِي ؛ وَالمِقْدَحَةُ : المِغْرَفَةُ . وَ « تَغِطُّ » أيْ : لِغَلَيَانِهَا صَوْتٌ ، والله أعلم . 520 - وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ أَبو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيمٍ : قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضَعيفًا أعْرِفُ فيه الجُوعَ ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، فَأخْرَجَتْ أقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ، ثُمَّ أخَذَتْ خِمَارًا لَهَا ، فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ، ثُمَّ أرْسَلَتْني إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَذَهَبتُ بِهِ ، فَوَجَدْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جَالِسًا في المَسْجِدِ ، وَمَعَهُ النَّاسُ ، فَقُمْتُ عَلَيْهمْ ، فَقَالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم : « أرْسَلَكَ أَبو طَلْحَةَ ؟ » فقلت : نَعَمْ ، فَقَالَ : « ألِطَعَامٍ ؟ » فقلت : نَعَمْ ، فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم : « قُومُوا » فَانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ أَبو طَلْحَةَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ، قَدْ جَاءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ ؟ فَقَالَتْ : الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ .
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين ( تحقيق الفحل ) — صفحة 179
مساهمون: النووي
ص١٧٩