تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
فَرْعٌ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الرِّشْوَةَ حَرَامٌ مُطْلَقًا ، وَالْهَدِيَّةُ جَائِزَةٌ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، فَيُطْلَبُ الْفَرْقُ بَيْنَ حَقِيقَتَيْهِمَا مَعَ أَنَّ الْبَاذِلَ رَاضٍ فِيهِمَا ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ : أَنَّ الرِّشْوَةَ هِيَ الَّتِي يُشْرَطُ عَلَى قَابِلِهَا الْحُكْمُ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، أَوْ الِامْتِنَاعُ عَنِ الْحُكْمِ بِحَقٍّ ، وَالْهَدِيَّةُ : هِيَ الْعَطِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ . وَالثَّانِي قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي « الْإِحْيَاءِ » : الْمَالُ إِمَّا يُبْذَلُ لِغَرَضٍ آجِلٍ فَهُوَ قُرْبَةٌ وَصَدَقَةٌ ، وَإِمَّا لِعَاجِلٍ ، وَهُوَ إِمَّا مَالٌ ، فَهُوَ هِبَةٌ بِشَرْطِ ثَوَابٍ ، أَوْ لِتَوَقُّعِ ثَوَابٍ ، وَإِمَّا عَمَلٌ ، فَإِنْ كَانَ عَمَلًا مُحَرَّمًا ، أَوْ وَاجِبًا مُتَعَيَّنًا ، فَهُوَ رِشْوَةٌ ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَإِجَارَةٌ أَوْ جَعَالَةٌ ، وَإِمَّا لِلتَّقَرُّبِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَى الْمَبْذُولِ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ بِمُجَرَّدِ نَفْسِهِ ، فَهَدِيَّةٌ ، وَإِنْ كَانَ لِيَتَوَسَّلَ بِجَاهِهِ إِلَى أَغْرَاضٍ وَمَقَاصِدَ ، فَإِنْ كَانَ جَاهُهُ بِالْعِلْمِ أَوِ النَّسَبِ ، فَهُوَ هَدِيَّةٌ ، وَإِنْ كَانَ بِالْقَضَاءِ وَالْعَمَلِ ، فَهُوَ رِشْوَةٌ . [ الْأَدَبُ ] الثَّامِنُ : فِي تَأْدِيبِهِ الْمُسِيئِينَ عَمَّنْ أَسَاءَ الْأَدَبَ فِي مَجْلِسِهِ مِنَ الْخُصُومِ بِأَنْ صَرَّحَ بِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ ، أَوْ ظَهَرَ مِنْهُ مَعَ خَصْمِهِ لَدَدٌ ، أَوْ مُجَاوَزَةُ حَدٍّ ، زَجَرَهُ وَنَهَاهُ ، فَإِنْ عَادَ ، هَدَّدَهُ وَصَاحَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ ، عَزَّرَهُ بِمَا يَقْتَضِيهِ اجْتِهَادُهُ مِنْ تَوْبِيخٍ وَإِغْلَاظِ الْقَوْلِ ، أَوْ ضَرْبٍ وَحَبْسٍ ، وَلَا يَحْبِسُهُ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ اللَّدَدِ ، وَعَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَفِي « يَتِيمَةِ الْيَتِيمَةِ » أَنَّهُ إِنَّمَا يَضْرِبُهُ بِالدِّرَّةِ دُونَ السِّيَاطِ إِذِ الضَّرْبُ بِالسِّيَاطِ مِنْ شَأْنِهِ الْحُدُودُ . وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، بَلِ الضَّرْبُ بِالسِّيَاطِ جَائِزٌ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَعْزِيرِ الْقَاضِي شَاهِدَ الزُّورِ حَيْثُ قَالَ : عَزَّرَهُ وَلَمْ يَبْلُغْ بِالتَّعْزِيرِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا . وَمِثَالُ اللَّدَدِ أَنْ تَتَوَجَّهَ الْيَمِينُ عَلَى الْخَصْمِ ، فَيَطْلُبُ يَمِينَهُ ، ثُمَّ يَقْطَعُهَا عَلَيْهِ ، وَيَزْعُمُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً ، ثُمَّ يُحْضِرُهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا ، وَيَفْعَلُ كَذَلِكَ ، وَكَذَا