تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
وَأَمَّا احْتِمَالُ كَوْنِهِ أَرَادَ عَلَى دِينِ قَوْمِ لُوطٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَا يَفْهَمُهُ الْعَوَامُّ أَصْلًا ، وَلَا يَسْبِقُ إِلَى فَهْمِ غَيْرِهِمْ ، فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ صَرِيحٌ ، وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كِنَايَةٌ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّالِثَةُ : قَالَ : أَتَيْتَ بَهِيمَةً ، وَقُلْنَا : يُوجِبُ الْحَدَّ ، فَهُوَ قَذْفٌ . أَمَّا الْكِنَايَةُ ، فَكَقَوْلِهِ لِلْقُرَشِيِّ : يَا نَبَطِيُّ ، وَلِلرَّجُلِ : يَا فَاجِرُ ، يَا فَاسِقُ ، يَا خَبِيثُ ، وَلِلْمَرْأَةِ : يَا خَبِيثَةُ ، يَا شَبِقَةُ ، وَأَنْتِ تُحِبِّينَ الْخَلْوَةَ ، وَفُلَانَةٌ لَا تَرُدُّ يَدَ لَامَسٍ وَشَبَهُهَا ، فَإِنْ أَرَادَ النِّسْبَةَ إِلَى الزِّنَا ، فَقَذْفٌ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَإِذَا أَنْكَرَ الْإِرَادَةَ ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ ، وَإِذَا عَرَضَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ، فَلَيْسَ لَهُ الْحَلْفُ كَاذِبًا دَفْعًا لِلْحَدِّ ، أَوْ تَحَرُّزًا عَنْ تَمَامِ الْإِيذَاءِ . وَلَوْ خَلَّى وَلَمْ يَحْلِفْ ، فَالْمَحْكِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِظْهَارُ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَدُّ ، وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ ، كَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا فِي خُفْيَةٍ ، يَجِبُ عَلَيْهِ إِظْهَارُهُ لِيُقْتَصَّ مِنْهُ ، أَوْ يُعْفَى عَنْهُ . وَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ ، وَمَالَ إِلَيْهِ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِظْهَارُ ، لِأَنَّهُ إِيذَاءٌ ، فَيَبْعُدُ إِيجَابُهُ ، وَعَلَى هَذَا لَا يُحْكَمُ بِوُجُوبِ الْحَدِّ مَا لَمْ يُوجَدِ الْإِيذَاءُ التَّامُّ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ ، أَوْ وَجَدْتُ مَعَكِ رَجُلًا ، فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عَلَى الْمَشْهُورِ . وَحُكِيَ عَنِ الْقَدِيمِ أَنَّهُ صَرِيحٌ ، وَلَوْ قَالَهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ ، فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ قَطْعًا ، لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ زَوْجَهَا . وَلَوْ قَالَ : زَنَيْتِ مَعَ فُلَانٍ ، فَصَرِيحٌ فِي حَقِّهَا دُونَهُ . وَأَمَّا التَّعْرِيضُ ، فَكَقَوْلِهِ : يَا ابْنَ الْحَلَالِ ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِزَانٍ ، وَأُمِّي لَيْسَتْ بِزَانِيَةٍ ، وَمَا أَحْسَنَ اسْمَكِ فِي الْجِيرَانِ وَشَبَهِهَا ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ وَإِنْ نَوَاهُ ، لِأَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تُؤَثِّرُ إِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْمَنَوِيَّ ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ هُنَا فِي اللَّفْظِ ، وَلَا احْتِمَالَ ، وَمَا يُفْهَمُ مِنْهُ مُسْتَنَدُهُ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ .