تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ صِحَّةُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، فَإِذَا صَحَّحْنَاهُمَا ، وَأَلْغَيْنَا الشَّرْطَ ، تَصَرَّفَ الْمُعَمَّرُ فِي الْمَالِ كَيْفَ شَاءَ . وَإِنْ أَبْطَلْنَا الْعَقْدَ أَوْ جَعَلْنَاهُ عَارِيَّةً ، فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ ، فَبَاعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ مَاتَ ، فَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ احْتِمَالَيْنِ . أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُ : لَا يُنَفَّذُ الْبَيْعُ ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ التَّأْبِيدُ ، وَهُوَ لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا مُؤَقَّتًا ، فَكَيْفَ يَمُلِّكُ غَيْرَهُ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ ؟ وَالثَّانِي : يُنَفَّذُ كَبَيْعِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ عَلَى صِفَةٍ ، وَبِهَذَا قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مِلْكٌ فِي الْحَالِ ، وَالرُّجُوعَ أَمْرٌ يَحْدُثُ ، وَشَبَّهَهُ بِرُجُوعِ نِصْفِ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ . فَإِذَا صَحَّحْنَا بَيْعَهُ ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَرْجِعَ الْوَاهِبُ فِي تَرِكَتِهِ بِالْغُرْمِ رُجُوعَ الزَّوْجِ إِذَا طَلَّقَ بَعْدَ خُرُوجِ الصَّدَاقِ عَنْ مِلْكِهَا . قَالَ الْإِمَامُ : وَفِي رُجُوعِ الْمَالِ إِلَى وَرَثَةِ الْوَاهِبِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْمَوْهُوبِ لَهُ اسْتِبْعَادٌ ، لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ مِلْكٍ لَهُمْ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُورِثُ ، لَكِنَّهُ كَمَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ، يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ . وَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ تَرِكَةٌ تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ الْوَصَايَا . فَرْعٌ قَالَ : جَعَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ لَكَ عُمْرِي أَوْ حَيَاتِي ، فَوَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كَقَوْلِهِ : جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ ، أَوْ حَيَاتَكَ ، لِشُمُولِ اسْمِ الْعُمْرَى . وَأَصَحُّهُمَا : الْبُطْلَانُ ، لِخُرُوجِهِ عَنِ اللَّفْظِ الْمُعْتَادِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَأْقِيتِ الْمِلْكِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمُوتُ الْوَاهِبُ أَوَّلًا ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا مُدَّةَ حَيَاتِهِ ، فَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ . وَأُجْرِيَ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ قَالَ : جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَ فُلَانٍ . وَخَرَجَ مِنْ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَإِلْغَاءِ الشَّرْطِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ : أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ لَا يُفْسِدُ الْهِبَةَ ، وَطُرِدَ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ . ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأَوْقَاتِ ، كَقَوْلِهِ : وَهَبْتُكَ ، أَوْ وَقَفْتُهَا سَنَةً .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 371 | النووي / زهير الشاويش