بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي نَظَائِرِهِمَا فِي الْبَيْعِ ، لِاتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ . فَإِنْ صَحَّحْنَا ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الرَّاهِنِ مِنَ الدَّيْنِ ، وَالْمُسْتَوْفِي مِنْ ضَمَانِهِ . وَإِنْ أَبْطَلْنَا وَهُوَ الْأَصَحُّ لَمْ يَبْرَأِ الرَّاهِنُ ، وَيَدْخُلُ الْمُسْتَوْفِي فِي ضَمَانِهِ ; لِأَنَّ الْقَبْضَ الْفَاسِدَ كَالصَّحِيحِ فِي اقْتِضَاءِ الضَّمَانِ .
قُلْتُ : دُخُولُهُ فِي ضَمَانِهِ ، يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِهِ لِنَفْسِهِ ، فَأَمَّا قَبْلَهُ ، فَهُوَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ بِلَا خِلَافٍ . وَكَذَا لَوْ نَوَى إِمْسَاكَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إِحْدَاثِ فِعْلٍ ، فَالْأَمَانَةُ مُسْتَمِرَّةٌ ، صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَغَيْرُهُمَا . وَلَوْ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ بِفِعْلٍ مِنْ غَيْرِ وَكِيلٍ وَلَا وَزْنٍ ، دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ فَاسِدٌ ، فَلَهُ فِي الضَّمَانِ حُكْمُ الصَّحِيحِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ كَانَتِ الصِّيغَةُ : ثُمَّ أَمْسِكْهُ لِنَفْسِكَ ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِحْدَاثِ فِعْلٍ عَلَى الْأَصَحِّ . وَعَلَى الثَّانِي : يَكْفِي مُجَرَّدُ الْإِمْسَاكِ . وَلَوْ قَالَ : بِعْهُ لِي وَاسْتَوْفِ الثَّمَنَ لِنَفْسِكَ ، صَحَّ الْبَيْعُ ، وَلَمْ يَصِحَّ اسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ لِلرَّاهِنِ ، لَا يُتَصَوَّرُ الْقَبْضُ لِنَفْسِهِ ، وَهُنَا بِمُجَرَّدِ قَبْضِهِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ . وَلَوْ قَالَ : بِعْهُ لِنَفْسِكَ ، فَقَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : أَنَّ الْإِذْنَ بَاطِلٌ ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَبِيعَ الْإِنْسَانُ مَالَ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ .
وَالثَّانِي : يَصِحُّ اكْتِفَاءً بِقَوْلِهِ : بِعْهُ ، وَإِلْغَاءً لِلْبَاقِي ، وَلِأَنَّ السَّابِقَ أَنَّ الْفَهْمَ مِنْهُ ، الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ لِغَرَضِهِ بِالتَّوَصُّلِ إِلَى دَيْنِهِ . وَلَوْ أَطْلَقَ وَقَالَ : بِعْهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : لِي ، وَلَا لِنَفْسِكَ ، فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : صِحَّةُ الْبَيْعِ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ : بِعْهُ . وَالثَّانِي : الْمَنْعُ لِعِلَّتَيْنِ . إِحْدَاهُمَا : أَنَّ الْبَيْعَ مُسْتَحِقٌّ لِلْمُرْتَهَنِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : بِعْهُ لِنَفْسِكَ . وَالثَّانِيَةُ : التُّهْمَةُ كَمَا سَبَقَ . وَعَلَى الْعِلَّتَيْنِ ، لَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا وَقَالَ : بِعْهُ ، صَحَّ ، لِانْتِفَائِهِمَا . وَإِنْ قَالَ : بِعْهُ وَاسْتَوْفِ حَقَّكَ مِنْ ثَمَنِهِ ، جَاءَتِ التُّهْمَةُ . وَإِنْ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ عَلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى ، وَيَصِحُّ عَلَى الثَّانِيَةِ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا عِنْدَ الْبَيْعِ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 89
مساهمون: النووي
ص٨٩