تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
عَدْلًا آخَرَ . وَالثَّالِثُ : يُجْبَرُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ : مَوْضِعُ الْخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ الْمُقِرُّ : هَذَا الْمَالُ لِفُلَانٍ فَكَذَّبَهُ . فَأَمَّا إِذَا قَالَ لِلْقَاضِي : إِنَّ فِي يَدِي مَالًا لَا أَعْرِفُ مَالِكَهُ ، فَالْوَجْهُ : الْقَطْعُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَتَوَلَّى حِفْظَهُ . وَأَبْعَدَ بَعْضُهُمْ ، فَلَمْ يَجُوِّزِ انْتِزَاعَهُ هُنَا أَيْضًا . وَلَوْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ عَنِ الْإِنْكَارِ ، وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ ، فَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ ، وَالْغَزَالِيُّ الْقَطْعَ بِقَبُولِهِ وَتَسْلِيمِ الْمَالِ إِلَيْهِ . وَالْأَصَحُّ ، مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ : أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْخِلَافِ . فَإِنْ قُلْنَا : يُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ ، فَقَدْ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ ، فَلَا يُصْرَفُ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِإِقْرَارٍ جَدِيدٍ . وَإِنْ قُلْنَا : يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَحْفَظُهُ ، لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ أَيْضًا . بَلْ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ مَلَكَهُ ، لَمْ تُسْمَعْ ، وَإِنَّمَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ الْبَعِيدِ ، فَحَصَلَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ تَسْلِيمِهِ إِلَيْهِ . وَلَوْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَالِ إِنْكَارِ الْمُقَرِّ لَهُ ، وَقَالَ : غَلِطْتُ ، أَوْ تَعَمَّدْتُ الْكَذِبَ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ لَمْ يُقْبَلْ . وَإِنْ قُلْنَا : يُتْرَكُ فِي يَدِهِ فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ : يُقْبَلُ . وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ : لَا يُقْبَلُ . وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِقْرَارِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ . فَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِعَبْدِهِ ، فَأَنْكَرَهُ ، فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَحْكُمُ بِعِتْقِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدَّعِيَانِهِ ، كَاللَّقِيطِ إِذَا قَالَ بَعْدَ بُلُوغِهِ : أَنَا عَبْدٌ لِزَيْدٍ ، فَأَنْكَرَ زَيْدٌ ، يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ . وَأَصَحُّهُمَا : لَا يَعْتِقُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِرِقِّهِ ، فَلَا يُرْفَعُ إِلَّا بِيَقِينٍ ، بِخِلَافِ اللَّقِيطِ ، فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ بِالدَّارِ ، فَعَلَى هَذَا ، حُكْمُهُ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا مَضَى . أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ قِصَاصًا ، أَوْ حَدَّ قَذْفٍ ، فَكَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، فَيَسْقُطُ ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ تُوجِبُ الْقَطْعَ ، وَأَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ السَّرِقَةَ فَلَا قَطْعَ . وَفِي الْمَالِ مَا سَبَقَ . وَلَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ ، وَأَنْكَرَ ، سَقَطَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ فِي حَقِّهِ . فَرْعٌ فِي يَدِهِ عَبْدَانِ ، فَقَالَ : أَحَدُهُمَا لِزَيْدٍ ، ثُمَّ عُيِّنَ أَحَدُهُمَا ، فَقَالَ زَيْدٌ : إِنَّمَا عَبْدِي الْآخَرُ ، فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلْمُقِرِّ فِي الْمَعَيَّنِ ، وَمُدَّعٍ فِي الْآخَرِ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 359 | النووي / زهير الشاويش