تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
وَلَيْسَ فِي حِكْمَةِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَرَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا يُعَذِّبُهُمْ أَبَدَ الْآبَادِ عَذَابًا سَرْمَدًا لَا نِهَايَةَ لَهُ . وَأَمَّا أَنَّهُ يَخْلُقُ خَلْقًا يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ نَعِيمًا سَرْمَدًا ، فَمِنْ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ . وَالْإِحْسَانُ مُرَادٌ لِذَاتِهِ ، وَالِانْتِقَامُ مُرَادٌ بِالْعَرَضِ . قَالُوا : وَمَا وَرَدَ مِنَ الْخُلُودِ فِيهَا ، وَالتَّأْبِيدِ ، وَعَدَمِ الْخُرُوجِ ، وَأَنَّ عَذَابَهَا مُقِيمٌ ، وَأَنَّهُ غَرَامٌ , كُلُّهُ حَقٌّ مُسَلَّمٌ ، لَا نِزَاعَ فِيهِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْخُلُودَ فِي دَارِ الْعَذَابِ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً ، وَإِنَّمَا يُخْرَجُ مِنْهَا فِي حَالِ بَقَائِهَا أَهْلُ التَّوْحِيدِ . فَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ الْحَبْسِ وَهُوَ حَبْسٌ عَلَى حَالِهِ ، وَبَيْنَ مَنْ يَبْطُلُ حَبْسُهُ بِخَرَابِ الْحَبْسِ وَانْتِقَاضِهِ . وَمِنْ أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِبَقَائِهَا وَعَدَمِ فَنَائِهَا : قَوْلُهُ : { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } [ الْمَائِدَةِ : 37 ] . { لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } [ الزُّخْرُفِ : 75 ] . { فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا } [ النبأ : 30 ] . { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } [ الْبَيِّنَةِ : 8 ] . { وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِين } [ الْحِجْرِ : 48 ] 1 . { وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار } [ الْبَقَرَةِ : 167 ] . { لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ } [ الْأَعْرَافِ : 40 ] . { لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا } [ فَاطِرٍ : 36 ] . { إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا } ، [ الْفَرْقَانِ : 65 ] أَيْ مُقِيمًا لَازِمًا . وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ الْمُسْتَفِيضَةُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ : وَأَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ 2 صَرِيحَةٌ فِي خُرُوجِ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ ، وَأَنَّ هَذَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِهِمْ ، فَلَوْ خَرَجَ الْكُفَّارُ مِنْهَا لَكَانُوا بِمَنْزِلَتِهِمْ ، وَلَمْ يَخْتَصَّ الْخُرُوجُ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ . وَبَقَاءُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ لَيْسَ لِذَاتِهِمَا ، بَلْ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ لَهُمَا 3 . وَقَوْلُهُ : وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا , قَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ
هامش
1 هذه الآية في أهل الجنة كما تقدم " ص 426 " فلعله أراد آية المائدة 37 { وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا } وقد وقع هذا الوهم لابن القيم وغيره فانظر تعليقي على " رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار " " ص " . 2 آخر الجزء الأول من " مختصر الموصلي للصواعق المرسلة " . 3 قلت : وهذه الأدلة قاطعة في بقاء النار وأهلها فيها من الكفار ، بخلاف أدلة القول الذي قبله ، فليس فيها شيء صريح ، كما بسطه الإمام الصنعاني في " رفع الأستار " ، فكن رجلا يعرف الحق بدليله وليس بالرجال ، فكل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم .