تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
الْمُضْغَةِ ، ثُمَّ شَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ، وَرَكَّبَ فِيهِ الْحَوَاسَّ وَالْقُوَى 1 ، وَالْعِظَامَ وَالْمَنَافِعَ ، وَالْأَعْصَابَ وَالرِّبَاطَاتِ الَّتِي هِيَ أَشَدُّهُ ، وَأَحْكَمَ خَلْقَهَ غَايَةَ الْإِحْكَامِ ، وَأَخْرَجَهُ عَلَى هَذَا الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ ، الَّتِي هِيَ أَتَمُّ الصُّوَرِ وَأَحْسَنُ الْأَشْكَالِ كَيْفَ يَعْجِزُ عَنْ إِعَادَتِهِ وَإِنْشَائِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً ؟ أَمْ كَيْفَ تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ وَعِنَايَتُهُ أَنْ يَتْرُكَهُ سُدًى ؟ فَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِحِكْمَتِهِ ، وَلَا تَعْجِزُ عَنْهُ قُدْرَتُهُ , فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الِاحْتِجَاجِ الْعَجِيبِ ، بِالْقَوْلِ الْوَجِيزِ ، الَّذِي لَا يَكُونُ أَوْجَزَ مِنْهُ ، وَالْبَيَانِ الْجَلِيلِ ، الَّذِي لَا يتوهم أوضح منه ، ومأخذه لقريب ، الَّذِي لَا تَقَعُ الظُّنُونُ عَلَى أَقْرَبَ مِنْهُ . وَكَمْ فِي الْقُرْآنِ [ مِنْ ] مِثْلِ هَذَا الِاحْتِجَاجِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَة } [ الْحَجِّ : 5 ] ، إِلَى أَنْ قَالَ : { وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ } [ الْحَجِّ : 7 ] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ } [ الْمُؤْمِنُونَ : 12 ] ، إِلَى أَنْ قَالَ : { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } [ الْمُؤْمِنُونَ : 16 ] . وَذَكَرَ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، وَكَيْفَ أَبْقَاهُمْ موتى ثلاثماثة سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعُ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ ، وَقَالَ فِيهَا : { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا } [ الْكَهْفِ : 21 ] . وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ ، لَهُمْ فِي الْمَعَادِ خَبْطٌ وَاضْطِرَابٌ . وَهُمْ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : تُعْدَمُ الْجَوَاهِرُ ثُمَّ تُعَادُ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : تُفَرَّقُ الْأَجْزَاءُ ثُمَّ تُجْمَعُ . فَأُورِدَ عَلَيْهِمُ : الْإِنْسَانُ الَّذِي يَأْكُلُهُ حَيَوَانٌ ، وَذَلِكَ الْحَيَوَانُ أَكَلَهُ إِنْسَانٌ ، فَإِنْ أُعِيدَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ مِنْ هَذَا ، لَمْ تُعَدْ مِنْ هَذَا ؟ وَأُورِدَ عَلَيْهِمْ : أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَحَلَّلُ دَائِمًا ، فَمَاذَا الَّذِي يُعَادُ ؟ أَهْوَ الَّذِي كَانَ وَقْتَ الْمَوْتِ ؟ فَإِنْ قِيلَ بِذَلِكَ ، لَزِمَ أَنْ يُعَادَ عَلَى صُورَةٍ ضَعِيفَةٍ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ بَعْضُ الْأَبْدَانِ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ! فَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ أَجْزَاءً أَصْلِيَّةً لَا تَتَحَلَّلُ ، وَلَا يَكُونُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ الَّذِي أَكَلَهُ الثَّانِي ! وَالْعُقَلَاءُ يَعْلَمُونَ أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل ،
هامش
1 قال عفيفي : انظر " مختصر الصواعق المرسلة " 104 - 106 ج 1 .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 409 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء