تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥

الإيمان بالقدر خيره وشره

. . . وَقَوْلُهُ " وَالْقَدَرِ خَيْرِه وَشَرِّه ، وَحُلْوِه وَمُرِّه ، مِنَ اللَّهِ تَعَالَى " - تَقَدَّمَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حَدِيثِ جبْرائيلَ : " وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِه وَشَرِّه " 1 ، وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا } [ التَّوْبَةِ : 51 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا } [ النساء : 78 ] { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } [ النساء : 79 ] الآية . فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ : { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } [ النساء : 78 ] ، وبين قوله : { فَمِنْ نَفْسِكَ } ؟ [ النساء : 79 ] ، قِيلَ : قَوْلُهُ : { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } : الْخِصْبُ وَالْجَدْبُ ، وَالنَّصْرُ وَالْهَزِيمَةُ ، [ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ] ، وَقَوْلُهُ : { فَمِنْ نَفْسِك } : أَيْ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ اللَّهِ فَبِذَنْبِ نَفْسِكَ عُقُوبَةً لَكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشُّورَى : 30 ] . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ قَرَأَ : { وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } [ النِّسَاءِ : 79 ] ، وَأَنَا كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ . وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ هُنَا النِّعْمَةُ ، وَبِالسَّيِّئَةِ الْبَلِيَّةُ ، فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ , وَقَدْ قِيلَ : الْحَسَنَةُ الطَّاعَةُ ، وَالسَّيِّئَةُ الْمَعْصِيَةُ . [ و ] قيل : الْحَسَنَةُ مَا أَصَابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَالسَّيِّئَةُ مَا أَصَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ , وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ شَامِلٌ لِمَعْنَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ , وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَيْسَ مُرَادًا دُونَ الْأَوَّلِ قَطْعًا ، وَلَكِنْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ سَيِّئَةُ الْعَمَلِ وَسَيِّئَةُ الْجَزَاءِ مِنْ نَفْسِهِ 2 ، مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ مُقَدَّرٌ ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ الثَّانِيَةَ قَدْ تَكُونُ عُقُوبَةَ الْأُولَى ، فَتَكُونُ مِنْ سَيِّئَاتِ الْجَزَاءِ ، مَعَ أَنَّهَا مِنْ سَيِّئَاتِ الْعَمَلِ ، وَالْحَسَنَةُ الثَّانِيَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ ثَوَابِ الْأُولَى ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ . وَلَيْسَ لِلْقَدَرِيَّةِ أَنْ يَحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمِنْ نَفْسِكَ } ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنْ فَعَلَ الْعَبْدُ - حَسَنَةً كَانَ أَوْ سَيِّئَةً - فَهُوَ مِنْهُ لَا مِنَ اللَّهِ ! وَالْقُرْآنُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ ؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } ، فَجَعَلَ الْحَسَنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، كَمَا جَعَلَ السَّيِّئَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ ، بَلْ فِي الْجَزَاءِ . وَقَوْلُهُ بَعْدَ هذا : " ما أصابك من حسنة " و " من سيئة " ، [ مثل قوله : " وإن تصبهم حسنة " و " إن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ " ] . وَفَرَّقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي هِيَ النِّعَمُ ، وَبَيْنَ السَّيِّئَاتِ الَّتِي هِيَ الْمَصَائِبُ ، فَجَعَلَ هَذِهِ مِنَ اللَّهِ ، وَهَذِهِ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ ، لِأَنَّ الْحَسَنَةَ مُضَافَةٌ إِلَى اللَّهِ ، إِذْ هُوَ أَحْسَنَ بِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَمَا مِنْ وَجْهٍ مِنْ أَوْجُهِهَا إِلَّا وَهُوَ يَقْتَضِي الْإِضَافَةَ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا السَّيِّئَةُ ، فَهُوَ إِنَّمَا يَخْلُقُهَا لِحِكْمَةٍ ، وَهِيَ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْحِكْمَةِ مِنْ إِحْسَانِهِ ، فَإِنَّ الرَّبَّ لَا يَفْعَلُ سَيِّئَةً قَطُّ ، بَلْ فِعْلُهُ كُلُّهُ حَسَنٌ وَخَيْرٌ . وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الاستفتاح : " والخير كله بيديك ، والشر ليس
هامش
1 متفق عليه على التفصيل المشار إليه قبل قليل . 2 قال عفيفي : انظر ص 314 من كتاب " الإيمان " .