الثناء والمجد ، أحق ما قاله الْعَبْدُ ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ " 1 . فَهَذَا حَمْدٌ ، وَهُوَ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَبَيَانُ أَنَّ حَمْدَهُ أَحَقُّ مَا قَالَهُ الْعَبْدُ ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ : لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ . وَهَذَا تَحْقِيقٌ لِوَحْدَانِيَّتِهِ ، لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ، خَلْقًا وَقَدَرًا ، وَبِدَايَةً وَنِهَايَةً 2 ، هُوَ الْمُعْطِي الْمَانِعُ ، لَا مَانِعَ لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، وتوحيد الْإِلَهِيَّةِ ، شَرْعًا وَأَمْرًا وَنَهْيًا ، وَإِنَّ الْعِبَادَ وَإِنْ كَانُوا يُعْطَوْنَ جَدًّا مُلْكًا وَعَظَمَةً وَبَخْتًا وَرِيَاسَةً ، فِي الظَّاهِرِ ، أَوْ فِي الْبَاطِنِ ، كَأَصْحَابِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْخَارِقَةِ ، فَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ، أَيْ لَا يُنْجِيهِ وَلَا يُخَلِّصُهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : لَا يَنْفَعُهُ مِنْكَ 3 ، وَلَمْ يَقُلْ : وَلَا يَنْفَعُهُ عِنْدَكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ ذَلِكَ أَوْهَمَ أَنَّهُ لَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ ، لَكِنْ قَدْ لَا يَضُرُّهُ , فَتَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ تَحْقِيقَ التَّوْحِيدِ ، أو تحقيق قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 4 ] ، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِالْمَطْلُوبِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يُرْجَى إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ ، وَلَا يُسْأَلُ إِلَّا هُوَ ، وَلَا يُسْتَغَاثُ إِلَّا بِهِ ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا هُوَ ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَإِلَيْهِ الْمُشْتَكَى ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ ، وَبِهِ الْمُسْتَغَاثُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ , فَكَيْفَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَسْبَابِ مُسْتَقِلًّا بِمَطْلُوبٍ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ انْضِمَامِ أَسْبَابٍ أُخَرَ إِلَيْهِ ، وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ صَرْفِ الْمَوَانِعِ وَالْمُعَارِضَاتِ عَنْهُ ، حَتَّى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ ، فَكُلُّ سَبَبٍ فَلَهُ شَرِيكٌ ، وَلَهُ ضِدٌّ ، فَإِنْ لَمْ يُعَاوِنْهُ شَرِيكُهُ ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ عَنْهُ ضده لم يحصل مسببه , وَالْمَطَرُ وَحْدَهُ لَا يُنْبِتُ النَّبَاتَ إِلَّا بِمَا يَنْضَمُّ إِلَيْهِ مِنَ الْهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، ثُمَّ الزَّرْعُ لَا يَتِمُّ حَتَّى تُصْرَفَ عَنْهُ الْآفَاتُ الْمُفْسِدَةُ لَهُ ، وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ لَا يُغَذِّي إِلَّا بِمَا جُعِلَ فِي الْبَدَنِ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ إِنْ لَمْ تُصْرَفْ عَنْهُ الْمُفَسِدَاتُ .
وَالْمَخْلُوقُ الَّذِي يُعْطِيكَ أَوْ يَنْصُرُكَ ، فَهُوَ - مَعَ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ فِيهِ الإرادة والقوة
هامش
1 صحيح متفق عليه ، وهو حديث آخر ، والمصنف دمجه بالأول ، فأوهم أنهما حديث واحد ! انظر المصدر الآنف الذكر .
2 في الأصل : وهداية .
3 قال عفيفي : انظر ص 319 ج 4 من " مجموع الفتاوى " لابن تيمية .