وَمَا أَعْجَبَ مَا أَجَابَ بِهِ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِحَدِيثِ شُعَبِ الْإِيمَانِ الْمَذْكُورِ ، وَهُوَ : أَنَّ الرَّاوِيَ قَالَ : بِضْعٌ وَسِتُّونَ أو بضع وسبعون ، فقد شهد الراوي بفعله نَفْسِهِ حَيْثُ شَكَّ فَقَالَ : بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ ، وَلَا يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ ! وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ .
فَطَعَنَ فِيهِ بِغَفْلَةِ الرَّاوِي وَمُخَالَفَتِهِ الْكِتَابَ , فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الطَّعْنِ مَا أَعْجَبَهُ ! فَإِنَّ تَرَدُّدَ الرَّاوِي بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ ضَبْطِهِ ، مَعَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ : بِضْعٌ وَسِتُّونَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ 1 . وَأَمَّا الطَّعْنُ بِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ ، فَأَيْنَ فِي الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ ؟ ! وَإِنَّمَا فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى وِفَاقِهِ ، وَإِنَّمَا هَذَا الطَّعْنُ مِنْ ثَمَرَةِ شُؤْمِ التَّقْلِيدِ وَالتَّعَصُّبِ .
وَقَالُوا أَيْضًا : وَهُنَا أَصْلٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ قِسْمَانِ : قَوْلُ الْقَلْبِ وَهُوَ الِاعْتِقَادُ ، وقون اللِّسَانِ وَهُوَ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ , وَالْعَمَلُ قِسْمَانِ : عَمَلُ الْقَلْبِ ، وَهُوَ نِيَّتُهُ وَإِخْلَاصُهُ ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ . فَإِذَا زَالَتْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ زَالَ الْإِيمَانُ بِكَمَالِهِ ، وَإِذَا زَالَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ لَمْ يَنْفَعْ بَقِيَّةُ الأخر 2 ، فَإِنَّ تَصْدِيقَ الْقَلْبِ شَرْطٌ فِي اعْتِبَارِهَا وَكَوْنِهَا نَافِعَةً ، وَإِذَا بَقِيَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَزَالَ الْبَاقِي فَهَذَا مَوْضِعُ الْمَعْرَكَةِ ! !
وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ طَاعَةِ الْجَوَارِحِ عَدَمُ طَاعَةِ الْقَلْبِ ، إِذْ لَوْ أَطَاعَ الْقَلْبُ وَانْقَادَ ، لَأَطَاعَتِ الْجَوَارِحُ وَانْقَادَتْ ، وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ طَاعَةِ الْقَلْبِ وَانْقِيَادِهِ عَدَمُ التَّصْدِيقِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلطَّاعَةِ , قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ " 3 . فَمَنْ صَلَحَ قَلْبُهُ صَلَحَ جَسَدُهُ قَطْعًا ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ , وَأَمَّا كَوْنُهُ يَلْزَمُ مِنْ زَوَالِ جُزْئِهِ
هامش
1 قلت : ورواه مسلم بلفظ : " بضع وسبعون " كما تقدم " برقم 406 " ، وهو الأرجح عندي كما هو مبين في المجلد المشار إليه من " الصحيحة " .
2 في الأصل : الأجزاء .
3 هو طرف من حديث متفق عليه عن النعمان بن بشير ، وهو مخرج في " غاية المرام في تخريج الحلال والحرام " برقم " 20 " .