تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم : الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ 1 . فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ أَصْلًا لَهُ شُعَبٌ مُتَعَدِّدَةٌ ، وَكُلُّ شُعْبَةٍ مِنْهَا تُسَمَّى : إِيمَانًا ، فَالصَّلَاةُ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ ، وَالْأَعْمَالُ الْبَاطِنَةُ ، كَالْحَيَاءِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ ، حَتَّى تَنْتَهِيَ هَذِهِ الشُّعَبُ إِلَى إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، فَإِنَّهُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ . وَهَذِهِ الشُّعَبُ ، مِنْهَا مَا يَزُولُ الإيمان بزوالها [ إجماعا ] ، كشعبة الشهادتين ، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعا ، كترك إماطة الأذى على الطَّرِيقِ ، وَبَيْنَهُمَا شُعَبٌ مُتَفَاوِتَةٌ تَفَاوُتًا عَظِيمًا ، مِنْهَا مَا يَقْرُبُ مِنْ شُعْبَةِ الشَّهَادَةِ ، وَمِنْهَا مَا يَقْرُبُ مِنْ شُعْبَةِ إِمَاطَةِ الْأَذَى , وَكَمَا أَنَّ شُعَبَ الْإِيمَانِ إِيمَانٌ ، فَكَذَا شُعَبُ الْكُفْرِ كُفْرٌ ، فَالْحُكْمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مَثَلًا مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ ، وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ كُفْرٌ , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ " 2 . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَفِي لَفْظٍ : " لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ " , وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ ، وَأَعْطَى لِلَّهِ ، وَمَنَعَ لِلَّهِ : فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ " 3 . وَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ أَصْلُ حَرَكَةِ الْقَلْبِ ، وَبَذْلُ الْمَالِ وَمَنْعُهُ هُوَ كَمَالُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمَالَ آخِرُ الْمُتَعَلِّقَاتِ بِالنَّفْسِ ، وَالْبَدَنُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْمَالِ ، فَمَنْ كَانَ أَوَّلُ أَمْرِهِ وَآخِرُهُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، كَانَ اللَّهُ إِلَهَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الشِّرْكِ ، وَهُوَ إِرَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ وقصده ورجاؤه ، فيكون مستكملا الْإِيمَانِ , إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ على قوة الإيمان وضعفه بحسب العمل . وسيأتي فِي كَلَامِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَأْنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : وَحُبُّهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ ، وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغْيَانٌ . فَسَمَّى حُبَّ الصحابة إيمانا ، وبغضهم كفرا .
هامش
1 حسن . رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وأحمد والطبراني ، وهو مخرج في " الصحيحة " " 341 " . والمراد " البذاذة " التواضع في اللباس ، وترك التبجح به . 2 مسلم باللفظين ، وهو مخرج في " تخريج مشكلة الفقر " " 66 " و " صحيح أبي داود " " 1034 " . 3 صحيح . وهو مخرج في " تخريج المشكاة " " 30 - 31 " و " الصحيحة " " 380 " .