تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
كَعَمَى الْكَافِرِ , وَجَاءَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ قَالَ : " إذا زنا العبد نزع منه الإيمان ، فإذا تاب أعيد إليه " 1 . إذا كَانَ النِّزَاعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ نِزَاعًا لَفْظِيًّا ، فَلَا مَحْذُورَ فِيهِ ، سِوَى مَا يَحْصُلُ مِنْ عُدْوَانِ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى وَالِافْتِرَاقِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ، وَأَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى بِدَعِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ مِنْ أَهْلِ الْإِرْجَاءِ وَنَحْوِهِمْ ، وَإِلَى ظُهُورِ الْفِسْقِ وَالْمَعَاصِي ، بِأَنْ يَقُولَ : أَنَا مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ حَقًّا كَامِلُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ! فَلَا يُبَالِي بِمَا يَكُونُ مِنْهُ مِنَ الْمَعَاصِي , وَبِهَذَا الْمَعْنَى قَالَتِ الْمُرْجِئَةُ : لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ ! وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا . فَالْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَظَرَ إِلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ لُغَةً مَعَ أَدِلَّةٍ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ , وَبَقِيَّةُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ نَظَرُوا إِلَى حَقِيقَتِهِ فِي عُرْفِ الشَّارِعِ ، فَإِنَّ الشَّارِعَ ضَمَّ إِلَى التَّصْدِيقِ أَوْصَافًا وَشَرَائِطَ ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَمِنْ أَدِلَّةِ الْأَصْحَابِ لأبي حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنَّ الْإِيمَانَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ ، قَالَ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } [ يُوسُفَ ، 17 ] ، أَيْ بِمُصَدِّقٍ لَنَا ، وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى إِجْمَاعَ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ , ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ ، هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ حَقًّا لِلَّهِ ، وَهُوَ أَنْ يُصَدِّقَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَمَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْإِقْرَارُ شَرْطُ إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا , هَذَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلِأَنَّهُ ضِدُّ الْكُفْرِ ، وَهُوَ التَّكْذِيبُ وَالْجُحُودُ ، وَهُمَا يَكُونَانِ بِالْقَلْبِ ، فَكَذَا مَا يُضَادُّهُمَا . وَقَوْلُهُ : { إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } [ النَّحْلِ : 106 ] ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ هُوَ مَوْضِعُ الْإِيمَانِ ، لَا اللِّسَانَ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ ، لَزَالَ كُلُّهُ بِزَوَالِ جُزْئِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ قَدْ عُطِفَ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ، قَالَ تَعَالَى : { آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } [ البقرة : 25 ] وغيرها ، في مواضع من القرآن .
هامش
1 صحيح ، أخرجه أبو داود والحاكم وصححه هو والذهبي ، وهو مخرج في " الصحيحة " " 509 " .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 337 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء