تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
مِنَ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَهُمْ تَحْتَ الْجَاحِدِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَتَفَاضَلُ بِصُوَرِهَا وَعَدَدِهَا ، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ , وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ الْبِطَاقَةِ الَّتِي تُوضَعُ فِي كِفَّةٍ ، وَيُقَابِلُهَا تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا ، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ ، فَتَثْقُلُ الْبِطَاقَةُ ، وَتَطِيشُ السِّجِلَّاتُ ، فَلَا يُعَذَّبُ صَاحِبُهَا 1 . وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مُوَحِّدٍ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ الْبِطَاقَةِ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَدْخُلُ النَّارَ , وَتَأَمَّلْ مَا قَامَ بِقَلْبِ قَاتِلِ الْمِائَةِ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ ، الَّتِي لَمْ تَشْغَلْهُ عِنْدَ السِّيَاقِ عَنِ السَّيْرِ إِلَى الْقَرْيَةِ ، وَحَمَلَتْهُ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنْ جَعَلَ يَنُوءُ بِصَدْرِهِ وَهُوَ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَتَأَمَّلْ مَا قام بقلب البغي من الإيمان ، حيث نَزَعَتْ مُوقَهَا وَسَقَتِ الْكَلْبَ مِنَ الرَّكِيَّةِ ، فَغُفِرَ لَهَا , وَهَكَذَا الْعَقْلُ أَيْضًا ، فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّفَاضُلَ ، وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ ، مُسْتَوُونَ فِي أَنَّهُمْ عُقَلَاءُ غَيْرُ مَجَانِينَ ، وَبَعْضُهُمْ أَعَقَلُ مِنْ بَعْضٍ , وَكَذَلِكَ الْإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ ، فَيَكُونُ إِيجَابٌ دُونَ إِيجَابٍ ، وَتَحْرِيمٌ دُونَ تَحْرِيمٍ , هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ طَرَّدَ ذَلِكَ فِي الْعَقْلِ وَالْوُجُوبِ . وَأَمَّا زِيَادَةُ الْإِيمَانِ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ : فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَا وَجَبَ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْإِيمَانِ الْمُفَصَّلِ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ خَبَرُهُ ، كَمَا فِي حَقِّ النَّجَاشِيِّ وَأَمْثَالِهِ , وَأَمَّا الزِّيَادَةُ بِالْعَمَلِ وَالتَّصْدِيقِ ، الْمُسْتَلْزِمِ لِعَمَلِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ : [ فَهُوَ ] أَكْمَلُ مِنَ التَّصْدِيقِ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُهُ ، فَالْعِلْمُ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ صَاحِبُهُ أَكْمَلُ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ اللَّازِمُ دَلَّ عَلَى ضَعْفِ الْمَلْزُومِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ الْمُخْبَرُ كَالْمُعَايِنِ " 2 , وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُخْبِرَ أَنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا الْعِجْلَ لَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ عَبَدُوهُ أَلْقَاهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِشَكِّ مُوسَى فِي خَبَرِ الله ،
هامش
1 صحيح ، وهو من حديث عبد الله بن عمرو ، أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما ، وهو مخرج في الأحاديث الصحيحة " 135 " وغيره ، وسيأتي لفظ الحديث في الكتاب برقم " 567 " . 2 صحيح ، أخرجه أحمد " 1 / 215 ، 271 " والطبراني والخطيب وغيرهم بسند صحيح بلفظ : " ليس الخبر كالمعاينة " وانظر " تخريج المشكاة " " 5738 " .