لَقَبَضَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ الْيَوْمَ ، وَفَعَلَ بِهَا كَمَا يَفْعَلُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَجَدَّدُ بِهِ إِذْ ذَاكَ قُدْرَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا الْآنَ ، فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُ الْعَقْلُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَدْنُو سُبْحَانَهُ مِنْ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ ؟ أَوْ يُدْنِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ ؟ فَمَنْ نَفَى ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْمَشْهُورِ الَّذِي رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رُؤْيَةِ الرَّبِّ تَعَالَى : فَقَالَ له أبو زرين : كَيْفَ يَسَعُنَا - يَا رَسُولَ اللَّهِ - وَهُوَ وَاحِدٌ وَنَحْنُ جَمِيعٌ ؟ فَقَالَ : " سَأُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللَّهِ : هَذَا الْقَمَرُ ، آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، كُلُّكُمْ يَرَاهُ مُخْلِيًا بِهِ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ من ذلك ، وإذا أفل تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ " 1 . فَهَذَا يُزِيلُ كُلَّ إِشْكَالٍ ، وَيُبْطِلُ كُلَّ خَيَالٍ .
وَأَمَّا كَوْنُهُ فَوْقَ الْمَخْلُوقَاتِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [ الْأَنْعَامِ : 18 و 61 ] . { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } [ النَّحْلِ : 50 ] . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْأَوْعَالِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ : " وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ " 2 . وَقَدْ أنشد عبد الله بن رواحة شِعْرَهُ الْمَذْكُورَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَقَرَّهُ عَلَى مَا قَالَ : وَضَحِكَ مِنْهُ 3 . وَكَذَا أَنْشَدَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَوْلَهُ :
شَهِدْتُ بِإِذْنِ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا . . . رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مِنْ عَلُ
وَأَنَّ أَبَا يَحْيَى وَيَحْيَى كِلَاهُمَا . . . لَهُ عَمَلٌ مِنْ رَبِّهِ مُتَقَبَّلُ
وَأَنَّ الَّذِي عَادَى الْيَهُودُ ابْنَ مَرْيَمٍ . . . رَسُولٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ مُرْسَلُ
وَأَنَّ أَخَا الْأَحْقَافِ إِذْ قَامَ فِيهِمُ . . . يُجَاهِدُ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَيَعْدِلُ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَأَنَا أَشْهَدُ " 4 . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ : إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي " 5 وفي رواية : " تغلب غضبي " رواه البخاري
هامش
1 ضعيف الإسناد ، حسن المتن ، كما هو مبين في " الظلال " " 459 ، 460 " .
2 ضعيف وتقدم قريبا الحديث " برقم 294 " .
3 ضعيف ، وقول ابن عبد البر " رويناه من وجوه صحاح " فيه نظر ، فقد قال الذهبي في " العلو " " ص 106 " معقبا عليه : " روي من وجوه مرسلة . . . " , ثم ذكرها .
4 ضعيف ، رواه ابن سعد في " الطبقات " بسند ضعيف ومنقطع .
5 متفق عليه ، وهو مخرج في " الظلال " " 608 ، 609 " .