تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
اسْتَوَى ؟ فَقَالَ الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ , وَيُرْوَى هَذَا الْجَوَابُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1 . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فوقه ، [ بحذف الواو ] مِنْ قَوْلِهِ : فَوْقَهُ ، وَالنُّسْخَةُ الْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ ، وَمَعْنَاهَا . أَنَّهُ ، تَعَالَى مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ . وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ : أَنَّهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَوْقَ الْعَرْشِ . وَهَذِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَسْقَطَهَا بَعْضُ النُّسَّاخِ سَهْوًا ، ثُمَّ اسْتَنْسَخَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ تِلْكَ النُّسْخَةِ ، أَوْ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَرِّفِينَ الضَّالِّينَ أَسْقَطَهَا قَصْدًا لِلْفَسَادِ ، وإنكار لِصِفَةِ الْفَوْقِيَّةِ ! وَإِلَّا فَقَدَ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ من المخلوقات ، فلا يبقى لقوله : محيط بمعنى : مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَوْقَ الْعَرْشِ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ : مَعْنًى ! إِذْ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ما يحيط بِهِ ، فَتَعَيَّنَ ثُبُوتُ الْوَاوِ , وَيَكُونُ الْمَعْنَى : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ، وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ . أَمَّا كَوْنُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } [ الْبُرُوجِ : 20 ] . { أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [ حم السجدة : 54 ] . { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [ النِّسَاءِ : 126 ] . وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إِحَاطَتِهِ بِخَلْقِهِ أَنَّهُ كَالْفَلَكِ ، وَأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ دَاخِلُ ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذلك علوا كبيرا . وإنما المراد : إحاطة عظمته . وسعة علمه وقدرته 1 ، وأنها بالنسبة إلى عظمته كخردلة . كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما أنه قال : ما السماوات السَّبْعُ وَالْأَرْضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ . وَمِنَ الْمَعْلُومِ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا إِذَا كَانَ عِنْدَهُ خَرْدَلَةٌ ، إِنْ شاء قبضها وأحاط قَبْضَتُهُ بِهَا ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهَا تَحْتَهُ ، وَهُوَ فِي الْحَالَيْنِ مُبَايِنٌ لَهَا ، عَالٍ عَلَيْهَا فَوْقَهَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ ، فَكَيْفَ بِالْعَظِيمِ الَّذِي لَا يحيط بعظمته وصف واصف , فلو شاء
هامش
1 لا يصح ، والصواب موقوف على مالك أو أم سلمة ، والأول أشهر . 2 في الأصل : إحاطة عظمة وسعة وعلم وقدرة . وكلا العبارتين حسن ، وهو من التأويل الذي ينقمه الشارح ، مع أنه لا بد منه أحيانا .