الْأَبْوَابِ ، ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لِمَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى " 1 .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِمَعْنَاهُ ، وَاللَّفْظُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ .
وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ ، مِنْ إِيرَادِ الْأَئِمَّةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَكْثَرِ طُرُقِهِ ، لَا يَذْكُرُونَ أَمْرَ الشَّفَاعَةِ الْأُولَى ، فِي مَأْتَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، كَمَا وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيثِ الصُّورِ 2 ، فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمُقَامِ ، وَمُقْتَضَى سِيَاقِ أَوَّلِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يَسْتَشْفِعُونَ إِلَى آدَمَ فَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ النَّاسِ وَيَسْتَرِيحُوا مِنْ مُقَامِهِمْ ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ سِيَاقَاتُهُ مِنْ سَائِرِ طُرُقِهِ ، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَى الْجَزَاءِ إِنَّمَا يَذْكُرُونَ الشَّفَاعَةَ فِي عُصَاةِ الْأُمَّةِ وَإِخْرَاجَهُمْ مِنَ النَّارِ , وَكَانَ مَقْصُودُ السَّلَفِ - فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ مِنَ الْحَدِيثِ - هُوَ الرَّدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ ، الَّذِينَ أَنْكَرُوا خُرُوجَ أَحَدٍ مِنَ النَّارِ بَعْدَ دُخُولِهَا ، فَيَذْكُرُونَ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ النَّصُّ الصَّرِيحُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ، فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ الْبِدْعَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلْأَحَادِيثِ , وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَسُقْتُهُ بِطُولِهِ ، لَكِنْ مِنْ مَضْمُونِهِ : أَنَّهُمْ يَأْتُونَ آدَمَ ثُمَّ نُوحًا ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ ، ثُمَّ مُوسَى ، ثُمَّ عِيسَى ، ثُمَّ يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَذْهَبُ فَيَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ فِي مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ : الْفَحْصُ ، فَيَقُولُ اللَّهُ : مَا شَأْنُكَ ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقُولُ : " يَا رَبِّ ، وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ ، فَشَفِّعْنِي ، فِي خَلْقِكَ ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ ، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : شَفَّعْتُكَ ، أَنَا آتِيكُمْ فَأَقْضِي بَيْنَهُمْ ، قَالَ : فَأَرْجِعُ فَأَقِفُ مَعَ النَّاسِ " ، ثُمَّ ذَكَرَ انشقاق السماوات ، وَتَنَزُّلَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْغَمَامِ ، ثُمَّ يَجِيءُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، وَالْكَرُوبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ يُسَبِّحُونَ بِأَنْوَاعِ التَّسْبِيحِ ، قَالَ : فَيَضَعُ اللَّهُ كُرْسِيَّهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : إِنِّي أُنْصِتُ لَكُمْ مُنْذُ خَلَقْتُكُمْ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا أسمع أقوالكم ، وأرى أعمالكم ، فأنصتوا
هامش
1 صحيح ، وهو في " المسند " " 2 / 435 " بسند " الصحيحين " ، وهو مخرج في " ظلال الجنة " في تخريج السنة " 811 " .
2 يأتي ذكر خلاصته بعد سطور .