تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
قَوْلُهُ : " وَكُلُّ دَعْوَى النُّبُوَّةِ بَعْدَهُ فَغَيٌّ وَهَوًى " . ش : لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ، عُلِمَ أَنَّ مَنِ ادَّعَى بَعْدَهُ النُّبُوَّةَ فَهُوَ كَاذِبٌ . وَلَا يُقَالُ : فَلَوْ جَاءَ الْمُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْخَارِقَةِ وَالْبَرَاهِينِ الصَّادِقَةِ كَيْفَ يُقَالُ بِتَكْذِيبِهِ ؟ لِأَنَّا نَقُولُ : هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُوجَدَ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ فَرْضِ الْمُحَالِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَأْتِيَ مُدَّعٍ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَلَا يُظْهِرُ إِمَارَةَ كَذِبِهِ فِي دَعْوَاهُ . وَالْغَيُّ : ضِدُّ الرَّشَادِ . وَالْهَوَى : عِبَارَةٌ عَنْ شَهْوَةِ النَّفْسِ . أَيْ : أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَى بِسَبَبِ هَوَى النَّفْسِ ، لَا عَنْ دَلِيلٍ ، فَتَكُونُ بَاطِلَةً . قَوْلُهُ : " وَهُوَ الْمَبْعُوثُ إِلَى عَامَّةِ الْجِنِّ وَكَافَّةِ الْوَرَى ، بِالْحَقِّ وَالْهُدَى ، وَبِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ " . ش : أَمَّا كَوْنُهُ مَبْعُوثًا إِلَى عَامَّةِ الْجِنِّ ، فَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ الْجِنِّ : { يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ } [ سورة الْأَحْقَافِ : 31 ] ، الْآيَةَ . وَكَذَا سُورَةُ الْجِنِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا . قَالَ مُقَاتِلٌ : لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَبْلَهُ , وهذا قول بعيد . فقد قال تعالى : { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } [ سورة الْأَنْعَامِ : 130 ] ، الْآيَةَ ، وَالرُّسُلُ مِنَ الْإِنْسِ فَقَطْ ، وَلَيْسَ مِنَ الْجِنِّ رَسُولٌ ، كَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ , وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : الرُّسُلُ مِنْ بَنِي آدَمَ ، وَمِنَ الْجِنِّ نُذُرٌ . وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْجِنِّ : { إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى } [ سورة الأحقاف : 30 ] ، الآية : تدل عَلَى أَنَّ مُوسَى مُرْسَلٌ إِلَيْهِمْ أَيْضًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ : أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ فِي الْجِنِّ رُسُلًا ، وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ . وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَلَيْسَتْ بِصَرِيحَةٍ ، وَهِيَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَقَوْلِهِ : { يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ } [ سورة الرَّحْمَنِ : 22 ] وَالْمُرَادُ : مِنْ أَحَدِهِمَا . وَأَمَّا كَوْنُهُ مَبْعُوثًا إِلَى كَافَّةِ الْوَرَى ، فَقَدْ قَالَ : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } [ سَبَإٍ : 28 ] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } [ سورة الْأَعْرَافِ : 158 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِه
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 166 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء